أصول النقد السينمائي .. محمد أبو سويلم ظالما أو مظلوما !!  .. بقلم : د. حسن محمود

 

 

ليلة ثقافية فنية دافئة، تناولت فيلم الأرض للمؤلف عبد الرحمن الشرقاوي والمخرج يوسف شاهين وبطولة العمالقة محمود المليجي وعزت العلايلي وعلى الشريف ويحيي شاهين وحمدي أحمد، ثلاث ساعات من المتعة، عشت فيها مع عشرات من أدباء وشعراء ومبدعي الثغر، علم ومعرفة، ثقافة وإبداع، رأي ورأي آخر، بلا حساسية أو خلافات، تنقل فيها المايك بين كل الحضور، شياكة ورقي، ثراء ودماثة خلق، بالرغم من صعوبة موضوع الندوة وتماسه المباشر مع الأمور السياسية والاجتماعية، فقد عبرت الندوة وبحق عن وجود الأمل في قدرتنا على الحوار المجتمعي البناء، حوار ليس به تشنج أو انفعالات أو اتهامات بالخيانة والعمالة وغير ذلك من ألفاظ ابتدعها الساسة ليقع بين براثنها المثقفون.

ولنأتي إلى فعاليات الندوة، كانت البداية مع الأديبة والناقدة الرائعة إيمان الزيات، حيث تناولت رواية الرائع عبد الرحمن الشرقاوي بالبحث والتحليل، وكيف أن الرواية عكست وبصدق فترة تاريخية خطيرة في تاريخ مصر الحديث، حللت الشخصيات وأوضحت العلاقات الشائكة بينها، وكيف استطاع المؤلف أن ينسج أحداث روايته ببراعة، ليصل بنا إلى ذروة الأحداث بسحل محمد أبو سويلم في واحد من أروع مشاهد السينما المصرية خلال مائة عام، وتطرقت كذلك إلى بعض المشاهد التي وظفها المخرج يوسف شاهين ولم تكن موجودة بالرواية، وكذلك بعض الأحداث الموجودة بالرواية ولم نشاهدها في الفيلم، وذلك من خلال سرد سلس، جمل بسيطة متدفقة، كلمات معبرة من قاموس بسطاء الناس، فهي حقا ناقدة بدرجة بروفيسير.

ثم قمت بعرض ملخص للفيلم في حوالي عشرين دقيقة لتذكرة الحضور بأهم الأحداث وأهم الشخصيات.

ثم تحدث الأديب والناقد أحمد إبراهيم، حيث استهل محاضرته بعرض (( Power Point )) تناول فيه بالشرح والتحليل لعناصر الفيلم السينمائي بداية من العثور على النص المناسب، ومرورا بالإنتاج وكتابة السيناريو والحوار واختيار الشخصيات وفريق التصوير ومهندسي الديكور و مصممي الملابس وفريق الإخراج. ثم تناول سينما يوسف شاهين والمراحل المختلفة التي مر بها، بداية من فيلم (( بابا أمين)) ومرورا بعشرات الأفلام مثل (( باب الحديد)) و (( الاختيار)) و (( العصفور)) حتى آخر افلامه (( هي فوضى)).

ثم تحدث عن العوامل التي أثرت في شخصية يوسف شاهين، حيث ينتمي إلى أبوين غير مصريين ومع ذلك فقد تشبع بالروح المصرية وأبدع لنا عشرة أفلام ضمن أفضل مائة فيلم خلال القرن العشرين. ثم تحدث عن فيلم الأرض وكيف إن هذا الفيلم مثّل نقلة نوعية في تاريخ يوسف شاهين وفي تاريخ السينما المصرية قاطبة، وحلل لنا بعض مشاهد الفيلم التي كونت زخما وابداعا سينمائيا فريدا.

ثم جاءت فقرة المداخلات، وكم كانت مبهرة ومعبرة عن ثقافة الحضور ورقيهم، كانت مداخلة الفنان عماد خطاب الذي تحدث عن معنى ودلائل ال ( Master Scene ) في العمل السينمائي، وقال إن مشهد ( سحل محمد أبو سويلم) ومشهد ( إنقاذ البقرة) يعتبران المشهدان الأساسيين في الفيلم، وأيده في ذلك معظم الحضور، وكان رأيي إن المشهد يبدأ منذ صرخت الفلاحة أثناء شجار الفلاحين حول أحقية كل منهم في أولوية ري ارضه، حتى تكاتف الجميع لإخراج البقرة من البئر.

ثم تحدث الأديب أحمد قاصد عن الفيلم، وعقد مقارنة ذكية بينه وبين فيلم ( شيء من الخوف) حيث أن الفاصل الزمني لإخراجهما هو عامين فقط، لكن لكل منهما توجه معين ناحية تعريف استبداد الحكم.

وتحدث الشاعر الكبير على عبد الدايم وأفاض في شرح العلاقة ما بين الشعب وأنظمة الحكم المختلفة، وقيمة الأرض لدى الفلاح، ففي تلك الأيام كانت تمثل له العرض والشرف والكرامة. وهنا دار حوار راق بينه وبين الأستاذ أحمد إبراهيم حول مفهوم (( الوجودية)) الذي جاء على لسانه في سياق حديثه عن الأفكار التي تناولها الفيلم،

وجاءت مداخلة الأستاذة الدكتورة سحر شريف، وعندما تتكلم سحر شريف فلننتبه جيدا، فلديها من العلم والمعرفة والثراء الفكري ما نفتقده عند الكثيرين من أبناء الطبقة المثقفة، أسلوبها بسيط يصل إلى القلب من أقصر الطرق، كلماتها معبرة نافذة كالرصاص، لا تعرف المجاملات، لا تنفعل إلا للحق، تتسلح دائما بالأدلة العلمية، والبراهين المادية، تحدثت وشرحت لنا بعض المفاهيم المغلوطة عن مفهوم (( الاشتراكية العقائدية)) و (( الوجودية))، وكيف تم تطويع هذا المفاهيم لتطاوع تلك الفترة من ستينيات القرن الماضي، وكانت كلماتها كالبلسم الذي هدّأ كثيرا من حرارة الحوار.

ثم فجّر الأستاذ مجدي إبراهيم قنبلة من العيار الثقيل، فقد انحاز إلى فكر (( محمود بك)) صاحب السرايا الذي يريد أن ينتزع ملكية أراضي الفلاحين لعمل طريق يمر أمام قصره، واعتبر أن هذا العمل منطقي حتى تنتشر المدنية في هذه القرية، وهذا ما حدث فعلا في ربوع مصر على مر العصور، ونقلنا بالحديث حول فكرة جديدة جديرة بالتحليل، هل كان محمود بك على حق!!!.

وجاءت مداخلة الأديب والناقد دكتور شريف عابدين لتؤيد فكرة مجدي إبراهيم، كيف يمكن أن نحدّث الريف دون انتزاع جزء من الأراضي أي كان مالكها، ثم تطرق إلى العلاقة ما بين الشعب والسلطة، وقد لاقت آراءه استحسانا من بعض الحضور، لأنه عرض وجهة نظره مدعمة بأسانيد منطقية محترمة، وهنا ارتفعت حرارة الحوار حول هذه النقطة الخطيرة. ثم تحدث عن تعريف الماستر سين ووجهة نظره في أحداث الفيلم وأهم المشاهد التي تصلح لأن تكون مشهدا رئيسيا.

ثم جاءت مداخلة الشاعر احمد يسري مخالفا آراء دكتور شريف ومجدي إبراهيم، راي ثوري صريح، مدافع عن حق الفلاحين في امتلاك أرضهم ومهاجما استبداد السلطة وطغيانها على هذا الحق لصالح فئة معينة مختارة من الشعب ….

ثم جاءت مداخلة الشاعر جلال أبو خليفة الذي انحاز تماما لفكرة الفيلم عن الظلم الذي تعرض له أبو سويلم، وعن الطبقية التي كانت وما زالت مسيطرة على المجتمع المصري.

وجاءت مداخلة الأديب حسني الجنكوري عميقة وثرية، وقال إن الفيلم بطبيعته فيلما سياسيا، ولا يمكن مناقشته إلا من هذا المنظور الواسع، ثم تحدث عن الماستر سين، وأهم المشاهد التي تعرض لها الفيلم، وكيف استطاع يوسف شاهين أن يقدم لنا وجبة ثقافية وفنية دسمة.

وجاءت مداخلة الأديب والناقد الكبير رشاد بلال ثرية، حيث أثنى على الرواية والفيلم وقال إننا يجب أن نحكم على فكرة الفيلم من خلال المنظور الذي أراده المؤلف حتى لو اختلفنا معه، الفيلم يدافع عن الحق الشرعي لأصحاب الأرض في الدفاع عنها.

وتوالت مداخلات الحضور الراقية ما بين معارض ومؤيد لبعض التوجهات الفكرية للرواية وللفيلم، فهذه مداخلة ثانية للأديبة إيمان الزيات عن الفكر الوجودي، وتلك مداخلة للناقد أحمد إبراهيم عن تأصيل معنى ((Master Scene )) ، وتلك مداخلة أخرى للدكتورة سحر شريف كاشفة لكثير مما اختلف الحضور حوله، ثم مداخلة ثالثة للشاعر الكبير على عبد الدايم ليوضح لنا بعض آراءه فيما اختلفنا حوله.

وهنا صدح صوت الموهبة الجديدة ( مروة الشرقاوي) بأغنية ( الأرض لو عطشانة)، وهو صوت عريض له جرس نغمي براق، صوت نحاسي ذو طبقات متعددة، به كثير من الدفء ورقة الإحساس، صوت يحتاج لمن يتبناه ويدربه ويصقله، صوت جميل وأخاذ، له مستقبل مشرق بإذن الله.

وكانت الفقرة الأخيرة إعلان نتيجة المسابقة الشعرية التي حملت اسم ( محمد أبو سويلم)، حيث تم توزيع شهادات التقدير للفائز بالمركز الأول السلطان الشاعر جلال ابو خليفة، والمركز الثاني الأديب والشاعر دكتور قدري نوار والمركز الثالث الشاعرة الجميلة هالة مصطفى أبو العزم.

وهنا داهمنا الوقت، واقتربت الساعة من العاشرة، وكان لا بد من إنهاء هذه الأمسية الثقافية الفنية الدسمة، ثم أعلنت عن موضوع الندوة القادمة إن شاء الله ( كيف نتذوق الموسيقى) مع المايسترو الدكتور محمد حسني.

شكرا جزيلا لصديقي المبدع جدو ماهر على هذه اللقطات البارعة وتلك التغطية الرائعة…

شكرا جزيلا للمنصة …. شكرا جزيلا للحضور …. شكرا جزيلا لمديرة القصر الفنانة والأديبة أماني عوض … شكرا للدكتورة هبة السايس … وكل الشكر و التحايا لمسؤولة المكتبة الأستاذة فاطمة السماليجي على دعمنا التام لأنشطتنا الثقافية ..

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.