إيمان الزيات تكتب : الجارية وعبد المأمور أيقونة المعاناة وأحذية الواقع الثقيل في مجموعة (اغتيال لحظة كره) للأديب محمد عباس علي

Spread the love

الأديب محمد عباس علي

 

يقدم لنا الأديب (محمد عباس علي) في مضمومته القصصية (اغتيال لحظة كره) ذاتاً واحدة تمثل معادلاً موضوعياً للمجتمعات رقيقة الحال التي تتكالب عليها مجموعة من المفردات الواقعية المُكبِّلة، فتعريها تارة وتجلدها تارة، تجوعها، وتأسلبها تارة تلو تارة، مفردات تربط القصص بخيط رفيع اسمه (المعاناة).

إن أمثالاً شعبية ومقولات موروثة ومتداولة إلى يومنا هذا مثل:

“اطبخي يا جارية كلف يا سيد!”.

“أنا عبد المأمور”.

 لم تصدر من العدم ولم تستمر من دون استمرار تلك الأسباب التي تغذيها وتوقد جذوتها لتستعر في النفوس التي ترددها كمتنفس عما تشعر به، ولكي تعبر عن ذواتها المقهورة بطريقة مستترة وغير مباشرة تفادياً للأذى.

فك الكاتب جديلة المعاناة الغليظة ليحللها ويوضحها ويشرحها بأسلوبه الأدبي الرهيف، فكأنما يعيد الوجع إلى عوامله الأولية (السذاجة، والضعف، والذل، والعوز، والمرض…)، فجاءت شخوص مجموعته هزيلة ضعيفة مغلوبة على أمرها، وظهرت المرأة الكادحة المعوزة، والرجل الكفيف والوحيد، والطفل اليتيم.

إنه يحدثنا عن تلك الشريحة المستباحة التي لم يكن دمها حراماً، ولا مالها حراماً، ولا عرضها أو أرضها على المنتهكين حراماً.  تدعسها أحذية الواقع الغاشمة الثقيلة. حيث الظل يثور ولا يثور صاحبه.

ومن المفارقة أنه لطالما كانت الأحذية في القصص العجائبية هي مصدر السعادة وحلاً للخروج من الأزمات، فحذاء “سندريلا” قد أخرجها من الفقر والذل والاضطهاد لحياة الرفاهية والسعادة والقصور، وحذاء “دورثي” أنقذها من التيه والغربة وأعادها لبيتها الآمن في قصة (ساحر أوز العجيب)، وجلب الأميرة إلى الفقير في قصة (القط ذو الحذاء) هذا في القصص العجائبية  فهل تختلف وظيفة الأحذية في الواقع؟!

لقد جاءت إجابة هذا السؤال على نحو مؤسف في نصوص المجموعة التي دهست الأحذية (الثقيلة) فيها أجساد وبيوت أرباب الأسر التي تجلس متربعة أمام “الطبلية” ويقتصر فرشها على الحصير، وعشاءها على العسل “الأسود” والجبن، فيتوارث رجالاتها كف البصر جيلاً بعد جيل في قصة (الوصية) في مشهد مكرور يقول الكاتب:

“فتح الباب عنوة ، ارتطم بالجدار قبل أن يتهاوى ، تدافعت الأحذية الثقيلة الى الحجرة ، أحاطت بنا ،  مددت يدى أمامى وأخذت أمط وجهى للأمام صارخاً :- إيه ياولاد ؟

قيدوا ولدى ، شلوا حركته ، تحسست عينىّ الممسوحتين بحسرة وصراخ أمه يهز الجدران ، انتفضت واقفاً أحول بينهم وبينه ، دفعنى أحدهم فى صدرى بحذائه الغليظ ، انقلبت على ظهرى فوق الطبلية ، طار العسل ليختلط بالجبن القديم فوق الحصير ، حملت جزعى وهممت بالقيام ثانية ، خذلتنى ساقاى ، جلست الى جوار الجدار أرزح تحت ضعفى ، بينما زوجتى لاتهدأ.”

وفي المقابل نجد تلك الأحذية (الخفيفة) دلالة الهشاشة وانعدام تأثير من يرتدونها بحيث لا يتركون أثراً إذا مشوا في قصة (هرولة) حيث قال:

“هو مثل آخرين يجيئون ويمضون فى هدوء ،لايشعر به أحد .. لايترك أثرا ما، اللهم الا أثر حذائه على نشارة الخشب ،غير أن أقداما تجىء لتطمس ماقبلها.”

ويصل الرمز إلى ذروته في قصة (المضمار) حيث يسقط ذلك الراكض في الحلبة وتدعسه الأرجل في سباق سيزيفي لا ينتهي.

“هذا ماكنت تخشاه طول الوقت قد حدث،  السقوط  وسط المضمار ، تدوسك الأقدام، تطأ رأسك، يحملوك خارجاً،  يتركونك وحيداً لاتبالى بك عين ولا يأبه لك سمع”.

إننا لا يمكننا القول بأن نظرة الكاتب للحياة هي نظرة كافكاوية بقدر ما هي نظرة الواهن لما لا قبل له بمواجهته لكنه على كل حال وبرغم كل شيئ مازال يحاول!

وربما يكون الكاتب قد أدرك في مرحلة متأخرة أنه لا جدوى من البحث عن الحلول بشكل بمنهجه ورؤيويته الواعية فلجأ إلى العجائبية أخيرا في نص (الحذاء) الذى كما وصفه:

 “هو ثورة ستزيل الغباء من الكون، والذى تم تصميمه ليمنح الإنسان من خلال دائرة إلكترونية فيه الذكاء”.

وأقف عند نص (الكلب) الذي أجاد الكاتب حبكته الدرامية ومارس على القارئ المخاتلة من خلال هذا العنوان المربك، الذي وبمرور الأحداث يتكشف له أن المقصود بإيحاء الذل والخنوع هو “البطل” الخاضع بفعل مال والد زوجه السليطة وليس “كلب” عائلته الذي باعه بالخطأ بدلاً من أن يبيع والده كما أرادت زوجه بعد ذلك.

يقول الكاتب على لسان بطل قصته:

“انتحيت بكلبى جانبا ..اعدت عليه ماقالت، واضفت:

– إياك أن تظننى أطيعها وأفعل المستحيل لأرضيها من أجل جاه أبيها ،أو مركزه ،أو أننى أعمى لا أرى دمامتها ..كلاً.”

وفي مقطع آخر يقول:

“حينما سمعتها تنطق إسمى مشفوعا بالفاظ لا اعتقد أنها تقصدها مثل (الدناءه – الجرثومه – وما اليها ) وتطلب منى مغادرة المائدة فوراً والمثول بين يديها تمنيت أن اطلب منها الانتظار لحين شعورى بالشبع .. لم استطع .. رأيتنى أهرول نحوها .. أطأطئ رأسى هامساً: – نعم”.

يحاول الأديب (محمد عباس) أن يغتال لحظة كره الحياة لشخوصه ليعيشوا في سلام كبقية البشر، وفي سبيل ذلك طوع اللغة وتقنياتها كالحذف، والإضمار، والنقاط، والضمائر المتنوعة، وسرد بلسان الراوي العليم وانخرط في الأحداث ليكون راوياً مشاركاً، واستخدم أسلحة التخييل والتصوير وتراسل الحواس والوصف، والاقتباس الغنائي، عدد الأفضية المكانية، وخلخل الزمن في نصوص وتركه على استقامته وتسلسلة الطبيعي في نصوص أخرى، كل ذلك من أجل أن يقدم للمتلقي صورة أقرب ما تكون لما يراه ويستشعره في إطار قصصي مفعم بالرموز والانزياحات، حيث أمكن للمتون أن تلخص مفهوماً ما ذو قدرة على تكوين جملة تامة، وصرخة مسموعة في أذن العالم إذا ما اتحدت بالعناوين.

 

 

2018/03/16 12:00م تعليق 0 1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

11 + fifteen =