الأحد , نوفمبر 17 2019
الرئيسية / منوعات / الأديب والناقد الكبير محمد عباس علي يكتب :”عين الكاميرا وسيكولوجية الألم والأمل” في مجموعة موعد للفراق للكاتب حسام أبو العلا

الأديب والناقد الكبير محمد عباس علي يكتب :”عين الكاميرا وسيكولوجية الألم والأمل” في مجموعة موعد للفراق للكاتب حسام أبو العلا

 

 لايختلف اثنان على ان الانسان حينما يكتب فإنه يكتب نفسه اولا يكتب روحه وفكره وبعضا من خيال يفيض على ذاته  فتتصور الكلمات موادا هي مانسميه الابداع وقد يكون الكاتب مهموما بأمر ما مثل الغربة أو الفقد أو الحزن او الوطن فيكتب عنها وتدور كلماته حولها ، وقد تتعدد هموم الكاتب فتمتزج فى كتاباته اشكال مختلفة من الابداع فنراه ينحو منحي مختلفا ويثير موضوعات عديدة ما بين شجون تمور فى نفسه وافكار تحاصره وقضايا تشغل فؤاده وبخاصة في عصرنا الحالى الذي كثرت فيه الشجون والألام .. وكاتبنا هنا من هذا النوع الاخير الذى قدم لنا فى هذه المجموعة الجديدة مزيجا من قضايا هي فى الغالب الاعم الشغل الشاغل لكثير من الناس ، ليس شرطا أن يكونوا مبدعين ولكنها المشاكل التى تلم بالجميع وكلنا نشعر بها ويعبر عنها اكثر  المبدع الذي يمتلك القلم او الريشة أو الشاشات الفضية.

المبدع عادة صاحب عين الكاميرا أو عين تليسكوبية تلتقط وتختار وتنتقي وتعرف جيدا الطريق الى الشيء المراد والذي يلمس المشاعر ويؤجج الاحاسيس .

ونرى كاتبنا بعين الكاميرا التي يمتلكها فى هذه المجموعة مهموما بأمور انسانية عامة بعد أن كان في مجموعته السابقة يتحدث عن رحمة الانسان بأخيه وعطفه عليه وتجاوزه عن اسائته والتأثر بالدموع وهي تكسو العيون المتألمة والتعاطف مع الاحزان وهي تغلف الوجوه الحزينة ومحاولة المساعدة قدر المستطاع كما في قصة الكيس الأسود في مجموعته المسماه بذات الاسم ، نراه هنا في هذه المجموعة ينطلق الى رحاب اوسع واعمق انسانيا فلم يعد الامر مجرد التعاطف والبحث عما يمكن ان يمنح التعساء بعض السعادة ولكنه هنا فتح افاقا اوسع ورحابا اكثر عمقا تحدث فيها عن الوفاء والخيانة والجحود وحفظ العهد والغربة بعيدا عن الاهل والخلان والغربة حتى فى الوطن بين الابناء والزوجات وغدر الخلان ببعضهم البعض فنرى الزوج الذي يقهر زوجته ويتركها كريشة في مهب ريح عاتية لاترحم ونرى آخر يدخل زوجته مستشفي الامراض العقلية والاخ الشقيق الذي يأكل مال اخوته .. ولايترك كاتبنا الامر لهذا الجحود لكي يسيطر على مجموعته فنراه يعود ليذكرنا بأن الوفاء موجود والاخلاص صفة ملازمة للاسوياء من اولاد ادم وان الحب الحقيقي لن ينتهي والتعاطف الانساني رغم كل الظروف لن ينقطع وهكذا ياخذنا كاتبنا الراقي في رحلة عبر حروفه وكلماته نرى فيها ونقرأ  ما داخل النفوس ونتعرف على الظروف التى تجبر البعض على مالا يحبون وتقهر البعض الاخر بينما تقف عاجزة امام اناس آخرين يستطيعون بالصبر والحكمة ان يعبروا المآزق امنين.

وإذا بدأنا بإلقاء  نظرة على الغلاف وهو كما يقولون العتبة الأولي للمجموعة لوجدناه مطابقا للعنوان موعد للفراق فهناك في العمق رجل وامرأة يسيران جنبا إلى جنب مما يوحي بوحدة الهدف ووحدة المشاعر ايضا مما يدل على أنهما اذا كانا سيفترقان فسوف يكون الأمر خارجا عن إرادتهما معا بدليل الغروب النازف الذي يوحي بالشجن والدموع والكهف المحيط بهما واللذان يسيران خلاله إلى حيث يواجهان غروبا محتوما والغروب رفيق الفراق فلا مفر من البعد ولا مفر من الدموع المصاحبة له والنزف الذي لابد منه ..

فإذا دخلنا بعد هذا إلى الاهداء وهو العتبة الثانية  لدراسة مجموعتنا  والذي يقول فيه”: لا نتخيل الحياة دونهم، هم هواء نتنفسه وروح نتعلق بها، وجسر للأمان ونهر للحنان، هؤلاء يحتلون المساحة الكبرى في حنايا القلب ويسكنون مشاعرنا وأحاسيسنا ، يرحلون وبرفقتهم أجمل الذكريات، يأخذون الفرح ويتركون الجرح، لأنهم نسخة واحدة في العمر لا تتكرر ..  عمي الحبيب محمد عبد الحميد الهياتمي .. لم تكن فقط والد زوجتي، وجد أولادي، بل كنت في مكانة الأب ..  كل شيء كما تركته، حبك يغمرنا وحنانك يدفئنا وصورتك معلقة على جدران قلوبنا وسيرتك العطرة تفوح في كل مكان َيذكر فيه اسمك .. رحمك الله، وأسكنك فسيح جناته.

هنا سنجد بوح الروح ورحيق الإصالة ينشران عبيرهما على القاريء وهو يطالع كلمات المؤلف ذاكرا بالوفاء والاخلاص والد زوجته الراحل بكل الحب والتقدير مما يمنحك شعورا طيبا تجاه هذا الكاتب يصاحبك وانت تدلف إلى قصص المجموعة  وهو شعور – أؤكد لك – لن يتركك  طيلة قرائتك لها

واذا القينا نظرة سريعة على المجموعة سنجد الآتى:

المجموعة تقع في 104 صفحة من القطع المتوسط  تحتوى على 24 قصة اطوالها مابين صفحتين  وخمس صفحات  كلها تدور بلسان المتكلم  المذكر ماعدا خمس قصص بلسان المتكلم المؤنث.

موضوعاتها تندرج تحت الآتي:

–  الامل كما فى قصص مأتم كبير – غيبوبة

– الخيانة كما في قصص سور عالى – لحظات  – عش صغير – الورع – البقاء لله

– الجحود كما في قصص   الغريب – ديك البرابر – سائق الحنطور – هي وابناءها – عصا معوجة

–  الوفاء  كما في قصص باقة ورود – جميلة – نور عيني

– التعاطف والاحساس  بالاخرين  كما في قصص  قطعة جاتوه – المهزوم – سائق الحنطور- جميلة – ربنا يسامحك –عصا معوجه

-اليأس كما في قصص حتموت بكرة – الرحيم .

اللغة :

تتميز بالبساطة والعفوية ونابضة بمشاعر التعاطف والرحمة ، حتي وهي تتكلم عن المطالبة بالحق والبحث عن العدالة نجدها لغة منبسطة ليست مشحونة بالبغضاء والكره  أو الصراخ بكلمات الغضب او مفردات الانتقام والتى يستخدمها الكثيرون من نوع النار والدم والحرق وما اليها من الفاظ.

وهو يتجه إلى العامية في الحوار ربما لسهولة توصيل فكره بأوضح صورة إلى القاريء ، أما بخصوص رؤياه السردية فهي كما هو واضح نابعة من نفس مشغوفة الى درجة كبيرة بأمور الخلق من حوله فليست الكتابة لديه تعبير عن عمق داخلي او مشاعر متداخلة مستوطنة لروحه تعبر عن ذاته ومايمور فيها من مشاعر واحاسيس كما يفعل البعض ولكنه انشغال بما حوله بالوفاء وبالجحود بالغدر والخيانة بالحب في انقى وارقي معانيه حب النفس التى لم ترى عطفا ولامودة من البشر ووجدته مع الحيوانات حب الابن المتبني لامه التى ربته وكذلك اليأس الى درجة التسليم للموت وانتظاره بلا ادني رفض او ضيق والأمل ايضا كل هذا بلغة بسيطة المعنى عميقة التأثير تتحدث كما يقال من القلب الى القلب

نموذج من كل نوع :

نبدأ بقصص الخيانة والنفاق والانفصال المتفشي في اشخاص كثيرين بين الفعل والقول والذي نراه كثيرا في أيامنا هذه فتدور الأقوال الحميدة الحكيمة العقلانية في مدار بينما الافعال المشينة تدور في مدار آخر مختلف كل الاختلاف وهذا ماصوره كاتبنا في قصته (الورع) فنرى الخال الذي طمع في ميراث اخوته البنات واستولي عليه ظلما وعدوانا بينما هو امام الناس يتحلي بالتقوي والصلاح ويمضي الى المسجد ويعظ الناس ويرشدهم الى النور وحينما يذهب اليه ابن شقيقته سائلا ميراثه الذي شرعه الله  لايتورع عن اظهار أسوأ ما في نفسه ، الاكثر من هذا أن هذا الخال أورث اولاده هذا الميراث المسلوب والميراث هنا ليس مالا فقط بل عداوة ايضا لاقرب الناس اليهم  وميراث العدواة أشد وأفتك بالنفوس ، الاكثر من هذا أن ابن الخال يلوم بطل القصة لأنه لم يخبره بموت أبيه لكنه  نسي شيئا هاما وهو ان جميع وسائل الاتصال بينهما مقطوعة وتلك لمحة ذكية من الكاتب فنراه يقول     

( دخل خالى المشفي الذى اعمل به -ثم ظهر ابنه وبرر عدم رده بانشغاله، لأنه يعمل في جهة سيادية، وصوب نحوي نظرة حادة كأنه يلومني على عدم إخطاره بالوفاة، لكن يبدو أنه نسي أنني لا أحتفظ برقم هاتفه أو أي من أفراد العائلة الذين طردتهم من عقلي وقلبي)

ومن النوع الثاني من القصص والذي يتحدث عن الجحود وانكار الجميل نأخذ قصة  الغريب ، هنا يناقش كاتبنا امراً آخر وهو استمراء البعض للأخذ دون التفكير في مشاعر أو احاسيس المعطي ومعاناته ليستمر في العطاء والحفاظ على مستوى من المعيشة كريم لمن يعطيهم فنراهم يستمرأون الاخذ ويتناسون المعطى واذا كلت يده من العطاء او نضب معينه او اصابه مرض او شيئا من هذا تحولت الافواه المفتوحة بقصد تناول الأكل من يده الى افواه تنهش وانياب تمزق في تلك اليد دون  تذكر ولو للحظة واحدة كل مافات من عطاء فنرى بطل القصة في بلد الغربة يفاجيء بزميله الذى توجه الى بلده الاصلي بعد طول غربة والذي هنأه الجميع بانتهاء غربته وعودته الى وطنه رآه يعود بعد زمن يسير جدا الى غربته من جديد  ، تملأ الدهشة روحه يستفسر منه عما عجل بعودته فاذا به يكشف عن حقيقة تغافلا معا عنها  زمنا وهي انه صار غريبا ايضا في وطنه فلم يعد بالنسبة لاهله هناك الا خزينة تمدهم بالنقود اما المشاعر والاحاسيس فقد مضت بغير رجعة فاصبح غريبا مع زوجه وبين ابنائه وينهي الكاتب قصته بلمحة ذكية فنرى البطل حينما  اشتكي لأمه غربته قالت له بلسان الحكمة:

– من تعود غيابك لن يسره حضورك

وبهذا يكون ثمن الغربة مضاعفا احساس بضياع العمر سدى وتمزق النفس في شيء لن يعود عليه الا بمزيد الاغتراب هنا او هناك

وكأن كاتبنا ينبه الى شيء هام جدا وهو اذا اردت السفر مغتربا فلا تترك وراءك اهلك ابدا خذ زوجك واولادك معك او لاتتركهم وحدهم فالبعد جفاء كما يقول المثل الشعبي.

ونظرا لأن  الجحود يشغل ركنا في فكر كاتبنا  نظرا لتغير الظروف وتقلب الزمن وتبدل احوال  الناس فقد افرد في مجموعته سطورا عديدة في اكثر من قصة يتحدث فيها عن هذا ، بالنسبة لجحود الابناء تغير الحال من تقديس للوالدين – اقول هنا بطبيعة الحال بعض الابناء وليس كلهم – الى نكران لابسط قواعد رد الجميل على الاقل ( كما في قصة عصا معوجة وكما في قصة هي وابنائها وقصة سور عالي ) وكذلك جحود الازواج (كما في قصة سور عالي وقصة عش صغير وقصة جميلة التي وصل فيها الامر بالزوج ان يشهر سلاحه في وجه زوجته ليجبرها على التنازل عن حقوقها وكذلك قصة الوقت الضايع )

 لذلك فقد أخذت قصة هي وأبنائها لأناقشها :  

وهي ببساطة تتحدث عن بطل القصة الذي كان ينظر ساخرا الى امرأة طيبة تجلس بالطريق لتطعم الكلاب التي تدور حولها كأبنائها تنتظر الطعام التي تبخل به على نفسها وتؤثرهم به مما يدفع المارة وكل من يراها الى السخرية منها والتهكم عليها الا ان بطل القصة وبدافع من ذاته التى تمور بالخير وصف الذين يلاحقونها بالتهكم بأن قلوبهم لاتعرف الرحمة

يقول الكاتب في صفحة 19

“منذ أعوام وفي طريقي إلى العمل، أراها في ذات المكان، لم تغب يوما، تجلس القرفصاء تحت أحد الكباري وحولها علب طعام وقوارير مياه وعشرات الكلاب المشردة تطعمهم وتسقيهم بحب، تحاصرها الكلاب كأنها أمهم التي ينتظرونها لينعموا بدفئها “.

ويقول أيضا في صفحتي 20،21

“دفعني قلق لم أفهم أسبابه إلى سؤال عامل بمتجر مواجه للكوبري، ربما أجد إجابة عن غياب العجوز، وجدته مندهشا مثلي، فقد كان عضوا في كتيبة الساخرين من مشهد البراءة اليومي للمرأة مع الكلاب، ًلكن انفرجت أساريري عندما أخبرني زميله أنه يعرفها جيدا، وكان يسكن في الحارة التي تقيم بها خلف الكوبري.

 سألني : – حضرتك من اللي بيعطفوا عليها كل شهر؟

صمت.

– نصيحة وفر فلوسك دي ست غريبة، دي مش لاقية تاكل وبتصرف أي قرش على أكل الكلاب

. استمر صمتي

– على العموم حضرتك حر بس حبيت أنصحك، دي ولادها رموها من كام سنة رغم إنهم مبسوطين ومعاهم فلوس، بس بيقولوا دي اتجننت لما لقوها بتعطف على قطط وكلاب الشوارع.

أشعلت سيجارة ومنحت هذا العامل واحدة لتزداد الالفة بيننا ليحكي أكثر، فأشعلها، ونفث دخانها بتلذذ واضح، وأضاف:

– أبوها كان سايب لها بيت ملك بس ولادها عندهم جحود، لما ابوهم مات مضوها على بيعه ورموها في أوضة تحت السلم، ولما لقوها بتحن على القطط والكلاب بطلوا يدوها فلوس، وعايشة من مساعدات والد الحلال.

هي اذن ليست زفرات قلم ينفث عن نفسه بواعث الميل الى الكتابة بل هو قلب ينبض بمحبة للكائنات يمنح من ذاته لمن حوله فى بساطة وهدوء

هنا الموقف ايضا ايجابي

ذهب لبيت المرأة وسأل عنها

ورغم توقعنا لسبب غيابها وهو الموت الا اننا نقف امام سارد يحمل نبضا لايعرف سوى الحب والعطف والمشاركة الوجدانية بكل مايملك مع الاخرين.

في قصص النوع الثالث اليأس نجد قصة الرحيم  :

هنا قد يختلف البعض مع الكاتب بخصوص نهاية القصة فالمرأة التي تصارع الحياة وتهرول ذات اليمين وذات الشمال باحثة عن شيء تفعله يساعد ولدها القعيد الذي كان يوما يفيض بالحيوية والنشاط  لايجب ان تنتهي قصتها بانتحار الابن يأسا من الحياة ولكن بمنحها هي جائزة الصبر والجهاد بكل ماتملك من انفاس واهنة وروح متعبة لكي تنقذ ولدها ، عادة تنتهي القصص عند الكثيرين هكذا ، ام تسعي لانقاذ ولدها ، بعد مشقة وجهاد تصل لهدفها وتنتهي القصة نهاية ناعمة تليق بالموقف اما هنا فالامر يختلف فالكاتب لديه رؤية شاملة في مجموعته والقصة ضمن المجموعة فهي تسير تبع خطة معينة وليست فردية لذلك اتجه مصير ابطاله الى الوجهة التى يريد فانتحار الابن هنا يظهر الوجه الاخر للحياة وخاصة لبطل تعود الحركة والنشاط محاطا بأعين المعجبين وبدعاء وفرحة الأم لذلك وللتغير الكبير الذي حدث وورحمة بأمه المقهورة من أجله – والتي طلبت مساعدة زميلها ليبحث عن عمل لابنها ولما أخبرها بوجود العمل وعادت اليه تزف البشري السارة اليه لم تجده – وربما هذا كان دافعه الأكبر أنه انتحر ليريحها من عذابها وتحملها مالاتطيق من أجله فالحياة هنا عابسة الاسارير قاسية الملامح حادة التعامل ليس فيها مكان لشفقة لذلك كان القرار الذي اوجع الأم اكثر من أي شيء قرار الانتحار

نجيء إلى قصص النوع الرابع التعاطف والاحساس بالاخرين ونأخذ قصة “جميلة” كمثال لها وهنا نجد مقابل الظلم والافتراء والعدوانية المتفشية في الكون قلوبا رحيمة تمتلك المقدرة على الحركة وإيقاف نزيف الروح بل ومحاولة رأب الصدع في النفس الهشة التي هزها بعمق ظلم اقرب الناس لها وهو هنا الزوج الذي أجبر زوجته على التنازل عن حقها بقوة السلاح ، نتخيل معاً المشهد وزوج أيا كانت طينته يرفع سلاحه في وجه امرأته ليروعها هو الذي تزوجها واستحل فراشها مقابل ان يمنحها الامان والحب والحياة الطيبة فاذا به ينقلب ذئبا باغيا جامد القلب ميت المشاعر يرفع سلاحه مروعا بدلا من رفع يده حماية لها ويجبرها على التنازل عن حقها ثم يزيد افتراءه فيزج بها في مستشفي الامراض العقلية وحيدة بائسة ليس لها من يهتم بها أو يأبه لحالتها الا أن رحمة الله تدركها فيسخر لها طبيبة تعرف حالتها وتتعاطف معها ولايتوقف الامر على تعاطفها نفسيا فقط بل وعمليا ايضا فتبحث عن ولدها المحامي وتبلغه بامرها ، يهرول الابن إليها يتلقاها بما يليق بها من ود ومحبة يصورها الكاتب بطريقة ناعمة فالابن يذهب لامه ومعه ابنه ، تسير الام وابنها وحفيدها بما يشير الى تواصل الاجيال وان الرحمة والود هما الاصل وان ماعداهما ليس الا شيء طاريء مكتوب له الزوال مهما طال أمده

نجيء إلى قصص النوع  الخامس الوفاء كما في قصة “باقة ورود”.. هنا أيضا في هذه القصة نجد القدر بالمرصاد لبطل قصتنا وكأنه يقول بلسان حاله لن يكون الا ما اريد انا وليس انت فنجد البطل الذي احب فتاة فقيرة واراد زواجها يعيش على ذكراها بعد وفاتها ولايفكر في غيرها إلى أن يجد من تحرك قلبه من جديد في عمله وهي مديرة جديدة وجد فيها شيئا حرك مشاعره وأجج عاطفته من جديد ، ركب القطار خلفها قاصدا التوجه اليها والاعتراف بحبه وطلب الزواج منها حاملا باقة ورود تعبيرا عن مشاعره فاذا به يجدها فى طريقها إلى المقابر تبكي حبيبا غائبا ، ترك باقة الورود على مقعد القطار وغادر المكان منكس الرأس مستسلما لارادة قدر لافكاك منه .

نجيء الى النوعية السادسة في المجموعة وهي تتحدث عن الامل كما فى قصة “مأتم كبير” فنجد بطل قصتنا يعيش حالة دائمة من الحزن والقلق ولايري من حوله ولايسمع الا سيرة الأموات فكان يمني نفسه بلقاء من تخرجه من هذه الحالة بمرحها وروحها الطيبة ووجد ضالته في زميلته سلوى لكنها كانت تقاوم تقربه منها بحياء وتترك الباب موروبا فلا هي صدته ولاهي منحته مايريد وألمحت في أكثر من موقف إلى انها ترعي والدها القعيد بعد وفاة امها وهنا يكشف لنا الكاتب عن حالة عامة يمر بها الناس مهما بدا لنا البشر من وجوههم والمرح في تصرفاتهم فالحياة لاتعطي كل شيء وربما كان وراء الوجه الطلق قلب حزين لذلك لابد من التكاتف والاقتراب والمحبة لنقاوم معا هذه الأحزان وهذا -–اعتقد – ما قصده الكاتب فكان موت الوالد وذهاب بطل القصة للتعزية في الحارة التى تسكنها  سلوى واصراره على تعزيتها  ليقول لها العبارة الكاشفة : انتظرك لنبدأ الحلم الذي لم يكتمل.

بخصوص الأخطاء وهي لابد منها في أي عمل مهما كانت درجة كفاءة المصحح لأننا بشر مهما كان الأمر وهي هنا حقيقة قليلة ومنها

ص 7 جرجرت قدماي وصحتها قدميّ  ، سطر 1،4   

دار للمسنين  ص 7  وصحتها دارا للمسنين

يعشعش 8  وصحتها  يعشش

حافين الاقدام  ص 21  وصحتها حفاة الاقدام

كشفت عقوقه هو وشقيقاه ص 9صحتها شقيقيه

أيضا أعجبني كثيرا استخدامه لبعض الألفاظ مثل

تدحلب  ص  32

طبطبة ص 21

مناكفة ص  11

اخيرا أقول أنني تمتعت فعلا بقراءة مجموعة قصصية انسانية راقية بعيدة كل البعد عن مظاهر والوان العنف قريبة كل القرب من الحب والتسامح والرحمة رغم جحود وخيانة أقرب الناس  تحية وتقدير وسلام لكاتبنا الذي انتظر منه الكثير والكثير وبذات الروح النقية والقلب الذي يمتلأ بالنور.

 

 

عن محمد فتحي الشريف

شاهد أيضاً

أوميغا 3 يمنح “أملا جديدا” للمصابين بالتوحد

صوت الشعب  أشارت دراسة تحليلية إلى أن تناول الأطفال المصابين بالتوحد مكملات غذائية غنية بالفيتامينات …