الإثنين , فبراير 19 2018
الرئيسية / مقالات / الخفافيش لا ترتع في النور .. بقلم : مدحت شنن

الخفافيش لا ترتع في النور .. بقلم : مدحت شنن

ما زالت أذيال القتلة الأنجاس تثير غبار الفتنة ورائحة الموت في ديارنا ، بالأمس تفجر كنيسة , واليوم يفجر مسجد , ولا فرق بين تفجير الكنيسة المرقسية بالإسكندرية , وتفجير مسجد الروضة بسيناء , كلها عمليات همجية يقودها قطيع من الجهلة المتعصبين , الذين تتحكم فيهم النعرة فتصرفهم عن الحق , وتبعدهم عن كل تعقل , وتقطع بأن الإرهاب لا دين له , لا يفرق بين شخص وآخر إنما مقصده الأوحد هو قتل الإنسانية , وإلحاق الخراب بنواحي العالم.

والمتابع لهذا المشهد السوداوي يري تغير الاستراتيجيات من وقت لآخر تبعا للظروف المحيطة, فتارة تتبع هذه الجماعات نمط الذئاب المنفردة , كما حدث في تفجير الكنيسة المرقصية , حين ضحي القطيع بذئب واحد ليقوم بتنفيذ العملية , وهو ما يشكل معضلة تقف أمام كل من يواجه الإرهاب , بما فيهم الجيوش النظامية التي يصعب عليها مواجهة هذا النمط , لأنها في هذه الحالة تفقد قدرتها على التنبؤ والتوقع , كما تتشتت قدرتها الأمنية في متابعة كل هذه الذئاب المنفردة .

وتارة أخرى يأخذ الهجوم نمط جماعات مسلحة كما حدث في مسجد الروضة وحادث الواحات , وهو أمر يفترض رصده والوصول إليه قبل حدوث الهجوم لان كشفهم أيسر في حال تجمعهم عن حال انفرادهم .

ومما لا شك فيه أن التعامل الأمني واتخاذ ما يكون ضروريا ومناسبا من تدابير لمواجهة هذه الهجمة الشرسة هو أمر حتمي تقتضيه حقيقة فحواها أن هناك من المظالم ما لا يمكن دفعه إلا بمثل قسوتها ، وحقيقة الأمر أن مواجهة هذا الخطر الداهم لا يمكن أن تؤتي ثمارها من خلال هذا الخط الأوحد ،  لكن الأمر جلل ويحتاج إلى الكثير من الإجراءات التي تمثل أرقاما صعبة في هذه المعادلة , بعضها يقع على عاتق الدولة والبعض الأخر منوط بمنظمات المجتمع المدني .

هذه الإجراءات تبدأ بتعزيز الحوار والتسامح والتفاهم بين الثقافات والأديان والحضارات المختلفة , وتحقيق الاحترام المتبادل للأديان والقيم والمعتقدات الدينية , والترويج لثقافة السلام والعدالة والتنمية البشرية والتسامح العرقي والوطني والديني  وذلك من خلال وضع برامج للتثقيف والتوعية العامة تشمل جميع قطاعات المجتمع .

لابد وأن تعي الدولة, دورها جيدا في تكريس احترام سيادة القانون وكفالة حقوق الإنسان , وتعزيز الأهداف والغايات الإنمائية , بالقضاء على الفقر وتحقيق النمو الاقتصادي المتواصل وضمان التنمية المستدامة لجميع الأفراد , بالعمل على الحد من البطالة والتخلص من فيروس تهميش الشباب وما يتبعه ذلك من شعور بالغبن يغذي التطرف ويجند الإرهابيين , فأكثر هؤلاء القتلة من المصابين باضطرابات نفسية أو اجتماعية أو لديهم سجل إجرامي ومطاردون من العدالة .

لابد وأن نواجه أفكارهم التي صارت أنشودة للمجد الرخيص , بفكر مستنير يوافق صحيح الدين السمح الداعي إلى الإعمار وقبول الآخر . ولن يتحقق ذلك إلا بالعلم والمعرفة بعيدا عن من يتمتم بالآيات كالببغاء فتنكشف أمامه معانيها دون أن تصل إلى عقله أو قلبه .

لا نريد هؤلاء الببغاوات الجعجاعين , الذين يسخرون مناهج الدين ليكون مطية تساعدهم على تحقيق أغراضهم , يطوون في قبضتهم أفكار مغلوطة مطموسة بالتمويه , معوجة لا تستقيم , فيرون الوهم حقيقة والسراب ماء .

نريد عقولا مستنيرة تعلمت الحكمة من حصيلة اطلاعها ومخزون ثقافتها السوية , يحركها ضمير واع حي فلا تنشد في البحث إلا الحقيقة ولا تخشى في العلم إلا الله .

لقد صار الوقت رخيص ,  والكلام رخيص والضحك رخيص , بعد أن افترستنا أنياب التطرف الذي هو في حقيقته تجاوز الحدود ونصب الشراك , إنه الإساءة إلي الشيء الذي تؤيده وتأييد للشيء الذي يسيء إليك , إنه تعنيف النحات للنقص من عبده الأصنام .. إنه الإهانة التي هي من قبيل الإسراف في الاحترام , إنه الضيق من الثلوج وجدائل القطن والسوسنة باسم اللون الأبيض , إنه موالاة لفكر أو لشخص لدرجة تستعص على مناهضته فتصير مواليا لدرجة تصبح معها معارضا .

إن معركتنا مع التطرف والإرهاب معركة وجود , نكون أو لا نكون , معركة بين الحق والباطل , وفي الحق الخلود , ومهما أوتي الإنسان من غشم وقوة فليس بإمكانه تغيير ما استنه الله , ومهما بذلوا من جهد لتغيير معالم الكون فلن يحصدوا إلا الخسران ولن يجنوا إلا الخيبة , سيبقى الجمال ينمو في الحدائق ويرعى في الأنهار . ورغم أن هناك عدو يجلس يشد خيوطا خلف الكواليس, فسقطت الحواجز واقتحم الجهلاء كل شيء , إلا أن هذا البلد المكبوت سيبرز ثانية من الأعماق ليستوي في مكانه المرموق , فمن أحشاء الضيق ينبثق الفرج .

نحتاج جهود العالم أجمع , لنواجه ذئاب في عيونهم حدة وفي ملامحهم غلظة وفي قلوبهم قسوة سياف يتلذذ بمشهد الرقاب الطائرة , تتلذذ نفوسهم بالتشفي كما يتلذذ الخفاش بالدم , بعد أن فارقتهم النخوة لقبح طويتهم وسواد سريرتهم , فلا يؤلمهم مشهد الأجساد الغارقة في الدماء حين أيقظها الموت من حلم الحياة .

بوحدتنا سنحارب أعداء الحياة , وسننتصر لأن القتلة يذوبون كتماثيل الشمع , وجبابرة جهلة يتبخرون كالدخان . وشعارات جوفاء يمحوها النهار كما يمحو

الظلمة . لذلك لن ننسى هذا الألم , ولو حاولنا سنفشل في النسيان , لأننا في الواقع لا نريد أن ننسى رغم كل ما يحمله التذكار من وجع .

سنواجه بيئة التطرف بجهلها وفقرها وظلمها وفسادها . فلا يوجد مستقبل في بلد يتمدد فيه الجهل كما يتمدد ثعبان تحت الرمل , ولا يوجد مستقبل في بلد يأكل فيه الناس من صناديق القمامة , ولا يوجد مستقبل في بلد يفتقد المساواة والعدل , ولا يوجد مستقبل في بلد ينخر فيه الفساد كما ينخر السوس في العظم .

سنرد الصاع صاعين , سنثأر لمن تراءى لهم الغدر كنبأ خاطف وعاجلهم الموت كومضة برق , فليس من استشهد غدرا بميت إنما الميت ميت الأحياء .

سنبدد ظلمة الجهل بعلم يشع ضياءه في كل مكان فيحيل الظلمة نهار ساطع حينها سنقضي على خفافيش التطرف لأن الخفافيش لا ترتع في النور .    

 

 

عن صوت الشعب

شاهد أيضاً

رانيا مسعود ومساراتها المتشعبة .. حكايا “خارج الصندوق” بقلم إيمان الزيات

في محاولتها للهروب من داخل الصندوق، تجتهد الكاتبة (رانيا مسعود) كي تجد مسارات أخرى يمكن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *