الرئيسية / مقالات / الدكتور يسري عبد الغني عبد الله يكتب …التربية طريقنا للنهوض
د. يسري عبد الغني عبد الله

الدكتور يسري عبد الغني عبد الله يكتب …التربية طريقنا للنهوض

إن الإنسان يميل دائماً إلى البقاء ، وهو لا يريد البقاء لنفسه كتكوين بيولوجي وفسيولوجي فقط ، ولكن ككائن إنساني حضري ، لذلك اكتشف المدنية وقدم من الاختراعات ما يساعده على تحقيق بقائه الإنساني والحضاري .

  ووسيلة الإنسان في تحقيق وجوده الحضاري هي التربية السليمة ، فالتربية تعد الإنسان للحياة والمعيشة أي تعده بالشكل الذي يمكنه من أن يكسب عيشه وبالتالي يعتبر مواطناً صالحاً مشاركاً متفاعلاً مع مجتمعه ، والتربية تعده لنوع معين من الحياة الدينية والاجتماعية والثقافية ، كما أنها في هذا إنما تزود الإنسان بخبرات الأجيال السابقة وعلومها ومعارفها وطرق حلها للمشكلات  الإنسانية ، كما تعده لمواجهة المشكلات التي تقابله .

  التربية السليمة تساعد الإنسان في كل مكان على تحقيق وإشباع دوافعه وحوافزه وغاياته ، وغني عن البيان أن الدوافع تتعلق بحاجات طبيعية لدى الفرد كالحاجة إلى الطعام ، والحاجة إلى الماء ، أما الحافز فيتعلق بغاية اجتماعية كأن يكون الفرد محبوباً من الناس ، أو أن يكون صاحب أموال كثيرة يوجهها بالضرورة إلى مساعدة الآخرين وإلى تنمية مجتمعه الذي يحيا فيه .

 والتربية عندما تشبع هذه الدوافع أو الحاجات و الغايات الخاصة بالفرد أو تساعد على إشباعها ، إنما تعمل في ضوء القيم والعادات والتقاليد والأعراف والخصوصيات والقواعد التي ارتضاها المجتمع لنفسه .

  ثم إن التربية السليمة تكشف عن مواهب النشء واستعداداته   وميوله ، فتعمل على إتاحة الفرص لنموها وتفتحها وصقلها وتهذيبها ، كما تعلمه الاعتماد على النفس والقدرة على الابتكار والإبداع ، وكيفية حل مشكلاته بأسلوب علمي سليم ، كما تعوده على احترام الآخر وكيفية التعامل معه من أجل واقع أفضل وأحسن للجميع .

          والتربية تعمل على أن يفيد المجتمع من قدرات وإمكانيات أبنائه ، وبالتالي تستفيد الإنسانية جمعاء منها ، وقد خلقنا الله لنتبادل المعارف والآراء والأفكار والخبرات والتجارب من أجل واقع أفضل لنا جميعاً .

 ولعل ما ذهب إليه (جون ديوي) فيلسوف التربية للقرن العشرين من أن التربية هي الحياة وليست إعداداً للحياة ، لعل هذا الرأي يمثل ثورة كبيرة في عالم التربية ، فهو يعتبر أن التربية والحياة شيء واحد ، فالتربية يجب أن تكون عن طريق الحياة المعاشة الواقعية ، وللحياة من أجل غد أفضل لأولادنا الذين نتمنى لهم كل الخير والسعادة .

 والتربية بمعناها الاجتماعي تطالبنا بالمحافظة على المجتمع ككل ، وذلك عن طريق تلقين أفكار المجتمع ومبادئه وقيمه ومعتقداته واتجاهاته وعاداته   لأفراده ، وإن كانت وظيفة المحافظة على المجتمع يصفها البعض بالرجعية أحياناً أي بالجمود ، ونحن لا نتفق مع هذا الرأي ، ونرى أنه لا يمكن أن تخلو تربية في أي مجتمع إنساني من وظيفة المحافظة على التراث الاجتماعي ، وإن كان يجب تنقية هذا التراث من الخرافات والأوهام والمعتقدات الفاسدة التي تحول دون تحقيق تقدم المجتمع ، وتنميته التنمية السليمة التي تعود على جميع أفراده    بالرخاء والتقدم .

  ومع هذا فالتربية مطالبة دائماً بأن تعمل على تدعيم التراث الإنساني المشترك بين المجتمعات المختلفة ، وليس في هذا أي تناقض بين التراث الإنساني الصحيح ، والتراث القومي الصحيح ، وعمل التربية هو أن توفق بين هذين النوعين من التراث لتعم الفائدة على الناشئة .

 وتعمل التربية على تمكين المجتمع من التقدم و الرقي والنهوض بالمحافظة على الأصيل النافع من تراثه ، وتزويده بالمخترعات والمكتشفات الحديثة التي تدفع به إلى التحديث والتنمية ، وهذا هو جوهر الإصلاح الذي ننشده ، شريطة أن يكون هذا الإصلاح نابعاً من خصوصياتنا ، فكما نقول : إن أهل مكة أدرى بدروبها ، فنحن أيضاً كعرب وكمسلمين أعلم بشئون دنيانا ، ولا ينبغي أن نقبل ما يفرض علينا من أي جهة من الجهات مهما كانت المسميات ، واضعين في الاعتبار احترامنا لكل الآراء والطروحات والأفكار ، وعليه فإن علاقاتنا مع الآخر يجب أن تكون في إطار الاحترام المتبادل .

  والتربية بالمعنى المثالي حفاظ على المثل العليا للمجتمع ، فلكل مجتمع مثل عليا يؤمن بها ، مثل عليا أخلاقية ، وأخرى قومية ، وثالثة إنسانية ، ورابعة اقتصادية ، إلى آخر نواحي النشاط الإنساني في المجتمع ، ويجب أن يكون لهذه المثل كل الاحترام والتقدير .

   وإذا كانت هناك مثل عليا للإنسانية ، فهناك مثل عليا للمجتمع     الواحد ، ومن هنا كان لزاماً على التربية حرصها الشديد على المثل العليا الخاصة بالمجتمع ، ونقلها إلى الأجيال الجديدة الصاعدة ، وتثبيتها بالقول والفعل في عقول هذه الأجيال التي هي أمل الأمة في النهوض والتقدم ، في نفس الوقت الذي نطالب فيه هذه الأجيال بالمحافظة عليه والتمسك بها .

نؤكد هنا على أن التربية بمفهومها الاجتماعي تهدف إلى تكوين المواطن الصالح الإيجابي الفاعل المشارك الذي يقوم بكل ما عليه من الواجبات ، ويتمتع بكل ما له من حقوق مشروعة في المجتمع ، وحبذا لو علمنا أولادنا واجباتهم       جيداً ، وعرفناهم حقوقهم ، وذلك من أجل أن يسهموا بشكل إيجابي في تنمية مجتمعهم ، وفي دفع عجلة نهوضه ورقيه إلى الأمام .

 وبعد ذلك نقول : إن التربية ضرورة حتمية لكل المجتمعات الإنسانية بوجه عام ، ولمجتمعاتنا العربية والإسلامية بوجه خاص والتي تسعى إلى النهوض لتحتل مكانتها اللائقة بها كما كانت في السابق ، ولتكون بحق خير أمة أخرجت للناس ، و بناءاً على ما ذكرنا ، فإنه علينا جميعاً أن نسعى إلى تربية أولادنا التربية السليمة ، فهم نصف الحاضر وكل المستقبل ، وهم أملنا في ظل ما نواجهه من تحديات .

كاتب المقال

د. يسري عبد الغني عبد الله

باحث وخبير في التراث الثقافي

[email protected]

عن محمد فتحي الشريف

شاهد أيضاً

مفاهيم مهمة.. بقلم الدكتور عبدالغني الغريب

من المفاهيم المهمة اليوم فى فقهنا ما يسمى : بفقه الأولويات.وهو وضع كل شئ فى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *