السقوط في بئر الوهم .. بقلم : مدحت شنن

Spread the love

انفرد بذاته, بعد أن أغلق النوافذ والأبواب وأسدل الستائر, ليغوص في ظلام دامس, ضاعفه عصبة سوداء التفت حول عينيه, ثم تمدد في جوف سريره, ووضع بكل أذن سماعه, وأخذ يسمع الموسيقى, ثم انطلق في رحلة من النشوة المزعومة.

هذا هو حال المدمنين الجدد, لأخر صيحات المخدرات المعروفة باسم (المخدرات الرقمية) أو digital drugs , فلم يعد الإدمان حكرا على الشم أو الحقن أو المضغ أو التدخين, بل تطور الفكر الإنساني كعادته في مختلف المجالات, وابتكر نظاما جديدا للتعاطي, حوله من التقليدية إلى التعاطي الالكتروني أو الرقمي, الذي يحدث نفس التأثير الذي تحدثه المخدرات الطبيعية أو التخليقية الأخرى.

وزاد من الأمر خطورة, استهداف شبابنا من قبل من هاجت بواطنهم طلبا لمزيد من الدم والافتراس, فحاكوا المؤامرات بعقل قدير, ومكر مجرم ممارس, وخبث ذئب عريق. فبلادنا مستهدفة من عدو يجاهرنا العداء وتارة أخرى يتوارى خلف مخططات ملعونة, تهدف إلى اختراق المجتمع, والانقضاض على ثوابته لهدمها, ولم تعد الحرب قاصرة على المدفع والدبابة, إنما طور هؤلاء أساليبا بذيئة, لتدمير الإنسانية, والقضاء على الشباب, عماد المجتمع, مستغلين ظروفهم الصعبة, ممن نضبت أيامهم وخلت من معاني الحياة, فأسدلوا بينهم وبين الدنيا ستاراً كثيفاً, وانزووا عن مخالطة الناس, أو الاندماج في المجتمع, فاختار لهم العدو نوعاً من الموسيقى, يناسب روحهم الثكلى, لتتراءى لهم النشوة كنبأ خاطف, كومضة برق, حتى صار شعورهم باللذة أكذوبة, وأنشودة للعيش الرخيص.

والمخدرات الرقمية, هي التطور الطبيعي والمناسب  في عصر التكنولوجيا لوحش الإدمان, اكتشفها العالم الفيزيائي هينريش دوف عام 1839, واستخدمت في عام 1970 كعلاج لبعض المرضى النفسيين ممن يعانون من الاكتئاب أو القلق, حيث يتم تعريض الدماغ إلى ذبذبات كهرومغناطيسية تؤدي لفرز مواد منشطة كالدوبامين, وبيتا أندروفين, فتعمل على تحسين دورة النوم وتخفيف الآلام وإعطاء إحساس كاذب بالراحة والتحسن.

هذا النوع من المخدرات عبارة عن ملفات صوتية, تتغير وفق معدل مدروس بطريقة معينة, لتخدع الدماغ عن طريق بث أمواج صوتية, مختلفة التردد لكل أذن, ولأن هذه الأمواج الصوتية غريبة, يعمل الدماغ على توحيد الترددات الواصلة للأذنين, للوصول إلى مستوى واحد, وبالتالي يصبح كهربائيا غير مستقر, فيعطى إحساساً يحاكي إحساس تعاطي المخدرات, الأمر الذي جعل المنظمة العربية للمعلومات والاتصالات, تعتبر هذا النوع من المخدرات خطيراً, ويؤدي إلى عدة أحاسيس كالدوخة, أو الارتخاء أو النعاس أو الصرع.

وما يزيد الأمر خطورة أن هذا النوع من المخدرات أصبح متاحاً عبر عدة مواقع, تسوقه وتروج له مع دليل مكتوب يشرح كيفية التعاطي الصحيحة للوصول إلى الفاعلية المطلوبة, مقابل مبالغ تتفاوت قيمتها حسب الجرعة ومدة المقطع الصوتي.

ولا يقف الأمر عند ذلك بل تقدم تلك المواقع عينات مجانية, يمكن الاستماع إليها, وبعدها طلب الجرعة الكاملة مقابل مبالغ متفاوتة.

قد يبدو الأمر غريبا, لكنه صار حقيقة وواقعاً ملموساً, لاسيما بعد أن انتشرت أنباء متضاربة, حول أول وفاة في السعودية بسبب هذه المخدرات, وتناقضت تصريحات أربعة جهات رسمية هناك, ثلاثة منهم تابعون لوزارة الصحة, التي لم تتمكن بعد من تأكيد أو نفي المعلومة. في الوقت الذي صرح فيه الدكتور راجي العمدة, مستشار اللجنة الطبية بالأمم المتحدة, بأن هذه الذبذبات تؤدي إلى تأثير نفسي ضار في نفس المتعاطي, على مستوى كهرباء المخ, كونها لا تشعر المتلقي بالابتهاج فحسب, بل تسبب له ما يعرف بالشرود الذهني, وهي من أخطر اللحظات التي يصل إليها الدماغ, حيث تؤدي للانفصال عن الواقع وتقليل التركيز بشدة, وقد تصل إلى نوبات من التشنج.

ومنذ العام 2010 والعالم من حولنا يتحدث عن هذا النوع من المخدرات, ونحن لا نعرف عنه شيئا ومدمنيه يتكاثرون في بيوتنا, ممن صاروا فريسة لوهم التلذذ بالراحة والانتشاء المؤقت, الذي سلمهم لفيضان من الأحلام دغدغ فيهم حواس منسية, بعد أن حط بهم اليأس في أرض الوهن, وقادهم الإدمان إلى خط الزوال.

لذلك … لا تتركوا شبابنا فريسة للوحدة, يعيشون في عالم نفسي, فقد التماسك والترابط, في مقابل عالم خارجي, شديد الصلابة والإغراء والتجدد, يتقدم بهم العمر بغير أن يدركوا قيمة العمل, أو الزمن الذي يتسرب من بين أيديهم كل لحظة, فصار الشرود سيداً للموقف, مستحوذاً على أحاسيسهم. يمسكون بالوهم فاستعانوا بالشيطان على النجاة, وبالرذيلة على بلوغ الفضيلة, حتى درجوا في كفن النسيان.

شبابنا ضحية ظروف قاسية, وواقع صلب تتحطم عليه أحلامهم, ولابد من وقفة فلم يعد الموقف يحتمل المنطقة الرمادية, لاسيما أننا صرنا في لحظة فارقة, تكتسب فيها أدق التفاصيل أهمية قصوى, بعد أن صار الاختراق جديداً, وجاذباً وغير متوقع, فلا أمل لوطن بغير شباب واع لدوره الناهض, ولا أمل لتقدم بغير جهات ومؤسسات وطنية مدركة لدورها المتمثل في استغلال هذه الطاقات في مشروع وطني جامع شامل لكل الإمكانيات البشرية المتاحة.

لعل كلماتي صرخة لكل من يهمه أمر الوطن, من أجل تحديث قانون يجرم هذه الممارسات, ويضبط مروجيها, ودور فعال في حجب هذه المواقع, وتدريب فرق لمكافحة هذا النوع المستحدث من الاختراق, مع مزيد من التوعية في المدارس والجامعات, والتواصل مع الأسرة, لفرض نوع من الرقابة الذاتية على أبنائها, اللذين يحتاجون توعية بعبارات وطرق مناسبة, تنفذ بيسر إلى قلوبهم قبل عقولهم, قبل أن يفوت الأوان, وتكثر الغيوم التي تنذر بالعواصف, ومن حولنا عدو يتربص ليفتك بنا دون أن نشعر ودون أن يفزعنا .. فأكثر الناس حرصا على عدم إثارة الفزع في قلوب العصافير هو الصياد.

2018/04/05 11:02م تعليق 0 7

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

12 − 2 =