المحكيات تتحدى نوة قاسم !! .. بقلم : د. حسن محمود

 

 في أمسية ثقافية فنية موسيقية غنائية رائعة، تحدى أعضاء المحكيات نوة قاسم بأمطارها المنهمرة كالشلال، ورعدها الذي يصم الآذان، وبرقها الذي أحال الليل الحالك نهاراً مضيئا، عشرات من الأدباء والفنانين ومتذوقي الموسيقى، كانوا في رحاب أمسية ( كيف تتذوق الموسيقى)، شاركوا بالرأي واستمتعوا بالغناء.

بدأتُ الأمسية بمقدمة تاريخية، حيث تحدثت عن (( الفتى زرياب))، وهو موسيقي ومطرب عذب الصوت من بلاد الرافدين من العصر العباسي (عاصر الخليفة العباسي هارون الرَّشيد). كانت له إسهامات كبيرة  وعديدة وبارزة في الموسيقى العربية والشرقية.

لُقِّب بـزرياب لعذوبة صوته وفصاحة لسانه ولون بشرته القاتم الداكن ، فقد كان عبقري الموسيقى متعدد المواهب، ومبتكر فن الذوق العام والذى يسمى اليوم بـفن  “الإتيكيت”، والذى مثل حلقة وصل هامة في نقل مظاهر الحضارة الاسلامية والشرقية إلى الاندلس ومنها إلى أوروبا والعالم أجمع , رجل ظلمه التاريخ الإسلامي ليهتم به التاريخ الغربي أكثر ويستفيد من تجربته وآثاره وما قدّمه للعالم أجمع، وهو  أول من ربط الموسيقى بالنص المكتوب وكانت له العديد من الاسهامات في هذا المضمار.

ثم انتقلت بالحديث عن مرحلة التخت التركي الذي سيطر على فن الغناء لفترة طويلة، حيث كانت مهمة الموسيقى تنحصر في تهيئة وسلطنة المطرب كي يبدأ الغناء، ولم تكن هناك ثمة علاقة بين الموسيقى والنص المكتوب، بل كان الغناء عبارة عن مجموعة من تقاسيم القانون، مع بعض دندنة العود، مصحوبة ببعض الحليات الإيقاعية للرق والطبلة. إلى أن جاء عصر سيد درويش الذي استطاع تغيير هذا النمط من الغناء، وأصبحت الموسيقى جزأ أصيلا من كلمات الأغنية ومقدمة لها، ومعبرة عنها. ثم أطل علينا العبقري محمد عبد الوهاب ليمسك بهذا الخيط ويكمل المسيرة، فأبدع وطور وأنتج لنا المئات من الأغاني التي لا يمكن أن يمحوها الزمن.

ويتزامن مع محمد عبد الوهاب عبقري آخر وهو ( رياض السنباطي)، الذي أبدع هو الآخر، ليضيف لنا إبداع من نوع أخر، وهو تلحين الكلمة، فأصبحت كل كلمة في الأغنية لها توظيف لحني خاص بها!!!

ثم قمت بتقديم الفنان الرائع هشام حسني، الذي أتحفنا بنغمات دافئة، وعُرب موسيقية ساخنة، مليئة بإحساس مرهف، ومشاعر صادقة، فكانت المقدمة الموسيقية لأغنية ( حيرت قلبي معاك) ، أعقبها صوت جديد ذو إمكانيات لا محدودة، يملك من الُعرب الصوتية والتنويعات النغمية الكثير والكثير، هو صوت الفنانة الموهوبة ( مي رشدي)، وتذكروا معي هذا الاسم في سماء الفن قريبا إن شاء الله .

ثم كان اللقاء مع الفنان والموزع الموسيقي مهندس مجدي الشيمي، فتحدث عن تاريخ التوزيع الموسيقي، وأهم رواده ( أندريا رايدر) و( فؤاد الظاهري) و( علي إسماعيل)، وعلاقة الموزع الموسيقي بالملحن، وكيفية توظيف كل آله موسيقية للتعبير عن النص المغنى.

ثم كان اللقاء ثانية مع الفنان هشام حسني والفنانة مي رشدي والكوبليه الثاني  لأغنية حيرت قلبي معاك. أعقب ذلك مجموعة من المداخلات الثرية من الناقد والأديب أحمد إبراهيم الذي أفاض في شرح تاريخ التوزيع الموسيقي، ورواده، والمقامات الموسيقية المختلفة التي يعبر كل منها عن جو شعوري مختلف، ثم مداخلة أخرى من الأديب والناقد دكتور شريف عابدين، حيث شرح لنا كيف يتم نظم الأغنية، وأوضح أن ( مذهب الأغنية) ما هو إلا مقدمة لما سيأتي بعد ذلك، ففي قصيدة ( حيرت قلبي معاك) كان الكوبليه الأول معبرا عن عتاب رقيق مغلف بروح  كلها استكانة واستسلام للحبيب، أما الكوبليه الثاني فقد جاء بعتاب مصحوب بمبررات الغضب، لكن بدقة ورقة خوفا من زعل الحبيب.

وجاءت مداخلة الأستاذ مجدي إبراهيم ساخنة كعادته، حيث أثار بعض النقاط الخلافية حول دور الموزع والملحن، ومن له اليد العليا في تشكيل وتنغيم اللحن في صورته النهائية، ثم مداخلة الفنان طارق حسين الذي شرح لنا كيفية توزيع اللحن، ودور كل من الملحن والموزع في إخراج الأغنية في صورتها النهائية، وتحدث عن تجربته الشخصية وكم تكبد من مال حتى يخرج ألبومه الغنائي بالصورة المطلوبة.

ثم فجرت بعض مداخلات الحضور الحوار عندما تحدثت عن ( أغاني الزمن الجميل)، فتحدث الأستاذ رشاد بلال عن تلك الفترة الثرية في كل شئ، ثقافة وتعليم وصحة وأخلاق، وقال إن هذه كانت ثقافة مجتمع بأكمله.

وعقب عليه الشاعر الكبير رضا فوزي وأرجع هذا السقوط الإبداعي لفترة الانفتاح الاقتصادي خلال فترة السبعينيات ومما حدث للمصريين من بعدها. وهنا ظهرت بارقة أمل من الأديب والإعلامي أحمد بسيوني، حيث عارض هذا المسمى وقال ( لا يمكن أن نعيش أسرى لهذا الزمن، فهناك العشرات بل المئات من المبدعين الشباب، الذين لديهم القدرة على ابداع فني وأدبي وثقافي، لكنهم لا يجدون الفرصة من المجتمع).

وجاءت مداخلة الشاعر الرائع مهندس أحمد يسري، وكانت مداخلة صادمة للبعض حين قال ( لدي حساسية خاصة لتعبير الزمن الجميل، فهو جميل بناسه وأعماره ولمن عايشوه وارتبطوا به)، ثم أطال النظر إلينا، فإذا بكل منا ينظر إلى نفسه، لتتأكد فكرته… شعور بيضاء ورؤوس ملساء …. إن الحضور يخلو من الشباب فعلا !!!.

ورجعنا مرة ثالثة إلى الفنان هشام حسني وأصابعه الذهبية، ليشدو لنا بلحن ( يا مسهرني) للرائع سيد مكاوي. ثم يداهمنا الوقت، وتقترب الساعة من التاسعة والنصف، ولا زالت نوه قاسم تصر على تخريب ندوتنا، لكننا ننتصر عليها، وعلى أمطارها ورعدها وبرقها، وتتحول الأمسية إلى ما يشبه الفرح، روح من المحبة ومشاعر من الود،  تنشر أجنحتها على الحضور، نشوة الغناء تسيطر علينا، يعلو صوت الحضور في سيمفونية صوتية رائعة بأغنية ( الصهبجية) للعبقري سيد درويش.

شكرا جزيلا لمديرة قصر ثقافة الأنفوشي الفنانة والأديبة أماني عوض

شكرا جزيلا للدكتورة هبة السايس منسقة النشاط الثقافي

وكل الشكر والتحايا للأستاذة فاطمة السماليجي على دعمنا الدائم وتهيئة الجو لتقديم ندوات المكتبة التي نأمل أن تستمر وتتطور وتصل رسالتها إلى جمهور أكبر وأحق بالاستفادة من ذلك الحراك الثقافي الذي يشع من ندوات المكتبة ولا تخطئه عين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.