د. السيد نجم يكتب : مختبر السرديات ودور الصالونات الأدبية .. “قراءة فى منجز ثقافى فاعل تعدى مدينة الاسكندرية”

مع بدايات شيوع النشر اﻹلكترنى وتفعيل الشبكة العنكبوتية بالعديد من مواقع التواصل ومنها التواصل الثقافى، سواء من خلال المنتديات أو المدونات، والصفحات الخاصة والمواقع الثقافية وحتى مواقع الكترونية لمجلة أو صحيفة ورقية، وغيرها من أشكال تحرير ونشر وﺇرسال، كلها بدت مع العقد الأول من القرن ال21 مثار السؤال:

ما مصير الندوات والصالونات الأدبية بعيدًا عن الشبكة الجديدة، ومن الطريف أن وجهت ﺇلى ﺇحدى القنوات التاليفزيونية فى لبنان للحديث حول تلك الظاهرة وللاجابة على السؤال الذي شغل الجميع، سواء المثقف أو عالم اﻹجتماع؟!

يبدو التخوف من أية تقنية جديدة، سمة ثقافية متجددة، جبلت عليها الطبيعة البشرية، بينما التاريخ الثقافي يشي بالتفاعل والديمومة وﺇن بدت بعض المقاومة.

أشير ﺇلى مكانة ندوة من أهم ندوات النقد الأدبي بالأسكندرية، ندوة “مختبر السرديات” التى تقام كل يوم ثلاثاء من كل ﺇسبوع على مدار السنة، تحت ﺇشراف الأديب “منير عتيبة”، ومتابعة ﺇعلامية للترويج للندوة والأخبار بفضل جهد اﻹعلامي حسام عبدالقادر وفريقه العامل بالمكتبة، حيث ادارة المكتبة متمثلة فى د.خالد عزب الذي يتابع الجهد بحرفية وﺇقتدار.

ربما بسر تلك الروح الوثابة والجادة ﺇستمرت الندوة وأنجزت ما يمكن أن يعتبر ﺇضافة حقيقة لمنارة نقدرها فى مصر بل وفى العالم كله، ألا وهي مكتبة الأسكندرية التى يتبعها المختبر، ويتم النشاط من داخل قاعات المكتبة.

خلال هذه الأيام تحتفل مكتبة الأسكندرية ومختبر السرديات بها بمرور تسع سنوات كاملة من الجهد والعمل الثقافي، وقبل الولوج ﺇلى مفردات العطاء، نرى أهمية التوقف أمام ظاهرتين ثقافيتين بجب تأملهما بروية تم ﺇنجازها بالمختبر، وسط صخب الحياة الثقافية عامة:

أولا: رؤية تاريخية وظاهرة ﺇنتظام ﺇنعقاد ندوات المختبر..

عرف العرب قبل الإسلام الصالونات الأدبية، سواء بإلقاء الأشعار أو محاورات النقد والتقييم أو غيرها، وأبقى الإسلام على تلك الظاهرة اﻹجتماعية، وﺇن كانت تتم في وجود الشراب المتخمر في الجاهلية، أصبحت بغيرها، وتناولت أكثر أمور الفقه وقراءة ما تيسر من القرآن.

كما عرف عن خلفاء الدولة الأموية والعباسية، وجود فحول الشعراء، حتى إذا ما إنتهوا من مناقشة أمور الدولة، جاء دور الشعراء. فعرفوا المناظرات الشعرية، وعرفوا مهنة “النديم”، ذلك الرجل واسع الثقافة الأدبية الذي يقص عن الشعراء، وعن طرائف اللغويات، وعن تاريخ الأدب والسير والترجمات. ﺇن تفتت الإمبراطورية الإسلامية بعد الغزو المغولي، فقد بقيت الصالونات أكثر حيوية في منطقة إسلامية أخرى، في “الأندلس”.

لعل أشهرها صالون “ولادة بنت المستكفى” التي كتبت الشعر بالذهب على ردائها، وجالست الشعراء، حتى تنافسوا على حبها، وتسببت في إتهام الشاعر “ابن زيدون” بتهمة ملفقة سجن فيها، فلما شعرت بحجم الآسي الذي سببته للشاعر، زارته في السجن آسفة، إلا أن الشاعر الفحل، أعلن عن تجربته الصوفية الجديدة التي ولدت بين جدران الزنزانة.

لم تخنف الندوات الادبية وانتقلت من القصور الملكية والخلافة الى أثرياء وآمة فقهاء الأمة، حتى القرن العشرين وفيه شاركت طبقة جديدة من الاثرياء المثقفيت فى ﺇنشاء الصالونات الثقافية والفنية، وليجيء المجتمع المدنة المعبأ بميزات ﺇنتشار التعليم نسبيًا وتظهر الجمعيات الخيرية الثقافية.

وسط هذا المسار التاريخي يجييء مختبر السرديات معبرًا عن النشاط شبه الرسمي للثقافة المتمثل فى مكتبة الأسكندرية وهي المؤسسة الثقافية العالمية وتتبع هيئة اليونسكو العالمية.

ثانيا: ظاهرة تبنى الأفراد والمؤسسات الاهلية للثقافة وللندوات..

هكذا يطول الحديث عن تاريخ الصالونات الأدبية, حتى تجددت مع صحوة العرب في القرن الماضي، وربما قبله بقليل. عرفت الكثير من الصالونات الأدبية الشهيرة, والتي قامت على تنظيمها سيدات رائدات في تلك الفترة، من أمثال: ماري عجمي من دمشق، ماريا مراش من حلب, أنيسة درويش من فلسطين, عائشة التيمورية من مصر.. ثم كانت مي زيادة التي شاع اسم صالونها حتى الآن لإرتباطه بفحول الأدب في تلك الفترة.

كما عرفت الصالونات الأدبية لبعض الأدباء والمفكرين والإصلاحيين الاجتماعيين.. من أمثال: الكواكبي، جمال الدين الأفغاني, محمد عبده, العقاد.. وغيرهم. إلا أن شكل الصالونات الأدبية إختلف بعد الحرب العالمية الثانية، وبدلا من إرتباطه بفكرة “الأستاذ” الذي يدير الصالون في منزله، وفكرة “موسوعية الثقافة” التي هي معيار تقييم المثقف في تلك الفترة.. أصبحت الصالونات الأدبية أكثر شيوعًا في المقاهي والنوادي الإجتماعية. ولعلنا نعيش تلك الملامح حتى الآن.

ولا يفوتنا الاشارة الى ظاهرة ادارة الندوة بواسطة المثقف الملتزم بقواعد الديمقراطية العامة/ من حرية التعبير وعدالة ادارة الندوة، وسقطت فكرة الاستاذ.

مع تلك المرحلة العصرية نشطت مخنبر السرديات وأجادت فى العديد من أوجه النشاط الثقافى الدال.

ثالثا: الآن مرحلة تبنى الحكومات والمجتمع المدني للثقافة

وهي تلك المرحلة التى راجت (فى مصر) بعد ثورة 52 خصوصا خلال عقد الستينيات وما بعده وبدرجات متفاوتة. فقد تم ﺇنشاء وزارة للثقافة لأول مرة بمصر حيث تولت شئون الثقافة، ﺇلا أن غلبة الفكر الاشتراكي على مجمل النشاط، لم يدع التجربة تستمر على نفس درجة الحمية واﻹنجاز المطلوب.

فلما كانت ملامح المجتمعات المعاصرة هى القيام بالمشروعات الكبرى، ومنها ما يخص الثقافة بكل أشكالها ومناحيها.. ومن ضمن المؤسسات الاهلية (بمعنى ما أو غير حكومية بمصر) كانت مكتبة الأسكندرية.

أصبحت المكتبة منارة فاعلة فى مجال الثقافة بعامة سواء داخل مصر أو خارجها، حيث تعددت النشاطات وأنجزت ﺇضافات حقيقية.. من تلك اﻹضافات أو لنقل من الأذرع الفاعلة فى هذ الدور هو “مختبر السرديات” والتى يشرف على نشاطه منذ نشأته  الروائي “منير عتيبة”

& يمكن الان مطالعة ﺇحصاء مجمع حول نشاط المختبر خلال التسع سنوات الفائتة:

1-بدأ مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية أولي فعالياته فى 29 ديسمبر2009م

.2- يعقد المختبر ثلاث فعاليات رئيسة هى:  فعالية أسبوعية بمكتبة الإسكندرية – فعالية شهرية ببيت السناري بالقاهرة – فعالية شهرية مع الشباب بعنوان (مختبر السرديات للفتية) ببيت السناري بالقاهرة.

3- ينظم المختبر حوالي 90 فعالية سنويا ما بين: ندوات مناقشة أعمال إبداعية فى السرد الروائي والقصصي والمسرحي والدرامي- ندوات مناقشة أعمال نقدية- ندوات قراءات قصصية وتناولها بالنقد- ورش عمل فى الرواية والقصة القصيرة والقصة القصيرة جدا والسيناريو والدراما الإذاعية واللغة العربية والإلقاء إلخ- مؤتمرات ينظمها المختبر منفردا أو بالتعاون مع جهات ثقافية أخري- مسابقات فى مجال القصة والرواية والنقد والقصة القصيرة جدا. 4

4- يتعاون المختبر فى بعض فعالياته مع جهات عديدة منها: المجلس الأعلي للثقافة بمصر- مختبر السرديات المغربى- مختبر السرديات العماني- مختبر السرديات الأردني- وحدة السرد بجامعة الملك سعود بالرياض- جامعة واسط بالعراق- جامعة الإسكندرية وغيرها-

5- نظم المختبر عددا من المؤتمرات المهمة منها أول مؤتمر للقصة القصيرة جدا بمصر شاركت به 11 دولة عربية سنة 2013- مؤتمر محمد حافظ رجب رائد التجديد فى القصة العربية- مؤتمر مصر المبدعة السنوى بالتعاون مع لجنة القصة بالمجلس الأعلي للثقافة والذي عقد منه 4 دورات حتي الآن، مؤتمر الأدب المصري والمغربي، مؤتمر الأدب المصري والسعودي، وغيرها

6-يستفيد المختبر من التطور التقني فيعقد بعض فعالياته بالفيديو كونفرانس مثل مؤتمر الأدب السكندري والعراقي مع كلية التربية جامعة واسط بالعراق-

7-يهتم المختبر باستضافة كبار الكتاب الذين يكتبون بالعربية سواء يعيشون فى الوطن العربي أو المهجر-

8-كما يهتم باستضافة من ترجمت لهم أعمال إلى العربية فاستضاف كتابا من الصين وسلوفينيا وتركيا

9-يهتم المختبر باكتشاف أصوات جديدة فى الإبداع والنقد والدفع بها إلى الصفوف الأمامية فى الحركة الثقافية العربية.

10- يهتم المختبر بتجسير الفجوة بين المبدعين والنقاد.

11- كما يهتم بتجسير الفجوة بين الأجيال المختلفة، وبين المناطق الإبداعية المتباعدة جغرافيا-

12-يقف خلف المختبر الاسم الكبير لمكتبة الإسكندرية، وتعاون جهود د.خالد عزب رئيس قطاع المشروعات. والصحفي حسام عبد القادر المستشار الإعلامي للمكتبة والأديب منير عتيبة الذي ينظم ويدير فعاليات المختبر.

*قراءة في دلالة تلك المنجزات..

لم يقتصر نشاط المختبر على متابعة الندوة الأسبوعية بمناقشة أحد الأعمال الادبية داخل قاعات المكتبة.. فعلى الرغم من أهميتها ﺇلا أن المختبر ينتقل من المكتبة ﺇلى بيت السنارى بالقاهرة لتنظيم فاعلتين شهريا، ومنها ندوة لمناقشة أعمال الشباب.

يتعاون المختبر مع مختبرات عربية أخرى بعمان والأردن والرياض بل مع مؤسسات ثقافية هامة مثل المجلس الأعلى للثقافة.

تعدى المختبر اللقاءات التقليدية ﺇلى ﺇقامة المؤنمرات الثقافية بالتعاون مع بعض المؤسسات والأدباء العرب.

كما تم استضافة بعض الكتاب الأجانب مثل هؤلاء من ترجمت لهم أعمالهم ﺇلى العربية من الصين وغيرها.

**مستقبل الصالونات الادبية:

أما وقد شاع جهاز الكمبيوتر المنزلي منذ الثمانينيات من القرن الماضي, فرض الجهاز الجديد وجوده وقيمته من خلال الاستفادة منه في مجالات الحياة المختلفة. خصوصا بعد أن أتاحت شركة ميكروسوفت ما يسمى بالشبكة العالمية للمعلومات (الانترنت), زادت قيمة هذه التقنية وعظمت كثيرا, وتجدد السؤال حول تأثير هذه التقنية الجديدة, بمعطياتها مثل التحادث “الشات”, والصفحات الحرة, فكان السؤال:

“ما مستقبل المختبر مع تعاظم الدور الفاعل للانترنت؟”

صحيح يحمل الجهاز ميزات كبرى، مثل الكم الهائل من المعلومات.. قدر حرية التعبير المتاحة كبير.. التواصل والتعارف بين الأفراد فوق أرجاء الكرة الأرضية.. تقديم خدمات ثقافية وغير ثقافية. فى مقابل العديد من المثالب التي يجب الإشارة إليها: العزلة اﻹجتماعية، وربما يصاب المرء بمرض اﻹكتئاب أو اﻹدمان.. السرقات من البحوث العلمية والأدبية.. فوضى المعلومات التي قد تضل إن لم تفيد ويتم تناولها بمنهجية صحيحة.. كما أن سهولة النشر في ذاتها عيبا قد يشجع البعض على نشر ما يراه دون استحقاق.. بل وهناك التخوف من العمليات الإرهابية.

ويتجدد السؤال: هل ستختفي الصالونات الأدبية مع حجم وعظم دور الشبكة العنكبوتية؟

لن تختفي الصالونات ما دام بين البشر من حوار، وربما تصبح الصالونات الأدبية أكثر ثراء، إذا تم اﻹستفادة من ﺇمكانات الحاسوب.. باﻹستعداد للصالون والإطلاع على كم المعلومات حول موضوع المناقشة، ثم هناك إمكانية باﻹستعانة بناقد ما من خارج القاعة لاثراء الندوة، من خلال الجهاز وتقنية “الشات”.

ﺇقتراح: لماذا لا يخصص المختبر جائزة سنوية للمترجم الذي قام على ترجمة من اﻹبداع العربى ﺇلى أي لغة أخرى؟ مع العلم أن هناك قصور شديد فى هذا اﻹتجاه حتى فهم البعض أن الترجمة فى ﺇتجاه واحد من اللغة الاجنبية ﺇلى العربية!

Ab_negm2014@yahoo.com

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.