د.فايزة حلمي تكتب : “لكل والدَيْن” .. حان الوقت لتتركوا أبناءكم يُحلّقون خارج العش

إلي كل  ( أب – أم)..مِن إبنكما المُغادِر إلي حياته الجامعيّة الجديدة….

    يا له من صيف سِحري كان هذا, كل هذا التوقّع المَجنون,  كل الإندفاع حول شراء الأشياء وحَزْم الاشياء, كل الإحتفالات التي لدينا, كل المعارك والنضال منذ ذلك الحين, الإعتذارات والإبتسامات. والقوائم…. أوه ، القوائم.

      لقد حصلت علي هذا الآن, لذلك ، أشكركما, والآن ، دِعاني أذهب ليس في طريقي للسباحة, ولكن بطريقة تُظهِران  لي أنكما تُريدان  رؤيتي، أجرب هذا الشيء الذي يُدْعَى الحياة, بشروطي الخاصة وأنَظرْ ماذا يَحدُث,  فنحن بحاجة إلى أن تكونا غَيْر متشدّديْن للغاية ولا تتحرّرا أكثر مِن اللازم,  وكما أخَفّف  قبضتي على كل ما هو مألوف هنا في المنزل ، يرجى تخفيف مَيلكما إلى الرغبة في الإمساك بكينونتي الجديدة البادئة في الظهور, هذا بداية إنطلاقي وتحليقي ، قد أتحطّم!! ، لكنني على الأرجح لن أفعل ذلك, لذا مِن فَضْلِكما لا تُحاولا أن تَعِيشا من أجْلي, دِعاني أنتقل إلى حافّتِي, إلى هذا المكان الأبعد حيث يمكن أن أزرع نفْسي وأمتد ، وحيث قد تتغير حياتي بطرق جديدة غير عادية.

       قد تَسْمَعا مِنّي أقل مما تريدا، خاصة عندما تَمْضِي الحياة رائعة,  ولكن حَاوِلا أن تَسْمَحا لي بتقرير وتيرة ونسبة المَرّات التي أكتب وأطلبكما فيها, و ، يا إلهي….

       يا أبي مِن فَضْلِك لا تقُمْ بزيارات مفاجئة لي في الكلية! لا تستاء  إذا كنت أريد أن أذهب إلى منزل صديقي أو شريكي في الغرفة، أو إذا طلبت إحضارهم إلى منزلي, حاول أن تكون سعيدًا بأن لديّ أصدقاء جُدد وأريدَك أن تقابلهم, حاول أن تهتم بِهِم دون أن تكون مُتَغَطْرسا, أنا أسمع كل شيء عن هؤلاء الآباء والأمهات ، لا أريد أن أُعامَل كَطِفل بَعْد الآن ، وعلى الرغم من أنني قد أتوق إلى بعض وسائل الراحة من المنزل ، إلّا أنني لا أريد أن أبدو سخيفا بين أصدقائي الجدد, لذلك ، حاول أن تفعل هذا بشكل تدريجي, وربما حتى  تَراني أحتفظ ببعض المال، حتى إذا كنت أرغب في السفر إلى الخارج أتمكّن مِن ذلك، ويمْكِنك  القيام بزيارة لي في هذا المكان الجديد.

        ومن المحتمل أن أجرب الكثير من الأشياء في السنوات القليلة المقبلة ، والتي ربما تكون أنتَ قد جَرّبْت بَعضَها عندما كُنتَ في عُمْري, سيكون بعضها غبيًا ، أو فقط في الوقت الحالي ، وقد يكون البعض جزءًا مِن مَن أكون,  إذا كنت تريد علاقة معي على المدى الطويل ، تقبّلنِي و حِبّنِي على أية حال, بسبب كل هذا ،  بل ليس بسبب كل هذا, فقط أحبني. أوه، وبينما كنت أتحدث عن الحب غير المشروط، من فضلك لا تهددني بأنك سوف تتوقف عن مساعدتي  في دفع تكاليف المدرسة إذا تأخّرت في بعض دروسي أو، أن تقديري لا سمح الله، لا يعجِبك, أي أقل من الجيّد,  فلا يزال مُرْضِيا, إنه متوسط, وقد تكون الكلية أكثر تحديًا لي, في الواقع ، آمل أن تكون كذلك, فيجب أن تكون مُشجّعا لي,  سأبذل قصارى جهدي، أعدك, سأطلب الدروس الخصوصية إذا كنت فقط بحاجة إليها, يمكنك أن تذكّرني إذا لم أفعل, ولكن من فضلك لا تمسك المال فوق رأسي بأدائي أو إختياراتي في الأصدقاء.

         إذا كنت تظن أنني قد أؤذي نفسي ، أو أنني قد أؤذي الآخرين ، فحاول التحدث معي بقلب مفتوح ومُسْتَمِع, ولا تحكم عليّ مُسْبَقا,  والأفضل من ذلك ، هو أن تقدم لي الدعوة للبحث عن خدمات الصحة المهنية أو الخدمات الطبية للحصول على معلومات حول العلاقات الآمنة  وإذا كنت تستطيع ذلك ، فالرجاء إعرض دفع القيمة ، دون نقد, وتَذَكّر أنه قد لا أرغب في الحديث عن كل هذه الأشياء معك ، ولكن ما زلت أعرف أنني في الواقع متخبط وأحتاج إلى المساعدة, اسمح لي أن أعرف أن لَدَيّ هذه الفرصة في أي وقت ، حتى في حالة عدم وجود أي نوع من أنواع الأزمات, ذكّرني بالبحث عن الموجهين في المدرسة, الأساتذة والمدربين والمستشارين والطلاب الأكبر سنًا, ولكن لا تُشْعِرَني بالتهديد حين أّتّبع نصائحهم .

        الآن ، على الرغم من ذلك ، أحاول البقاء في الوقت الحاضر حتى أستطيع ، قَوْل كل هذا الكلام عن يوم الإنتقال بعيدا عَنْكم، والتفكير في ديكور المسكن الذي سأنتقل إليه، ترتيب صندوق من أدوية الطوارئ لأنّي قد أشعر بالمرض حتمًا, والآن, وقبل أن أضع قدمي في الخطوة الأولى, أجدني عَصَبي لدرجة فائقة, وأقول لنفسي ها أنا  ذا، قد انتهيت من جرح مشاعري ، الصراخ فِي، العبوس بوجهي ، ومُراجعة  غرفتي ، والبحث في هاتفي ، والمماطلة والتسويف في تلبية طلباتي, أريد أن أصدق الآن أن كل ما أحتاجه لَدَيّ بالفعل, ولكن عندما تزعجني بإستمرار على كل هذه الأشياء ، رغم أنكَ تعرِف أن معظمها في الحقيقة مجرد أشياء ، فأنا قَلِق بشأن ما قد أفتقده, على جميع المستويات.

         أنا أيضًا أدرك أن مغادرتي تعني أن عائلتنا ستشعر بأنها مختلفة قريبًا, ستبدو طاولة العشاء مختلفة، وربما غير متوازنة إلى حد ما, قد يكون المنزل أكثر هدوءًا بعض الشيء, سيكون الأمر أشبه بفقد شيء أو مَوْت شخصٍ ما، ولكن إذا سارت الأمور كما نأمل ونخطط لها، فسيكون هناك نوع من الولادة الجديدة، وهكذا, ستجِد أن كل شيء في الكلية سيساعدني على الدخول إلى نفسي فكريا وإجتماعيا وعاطفيا ، سياسيا وإبداعيا, أنا متأكد من أنني أعمل أشياء مزعجة تجعلك تُسْرِع في العد التنازلي إلى وقت مغادرتي؛ ولكن لدي حدس أكبر بأنّك سوف تقلق، سوف تشعر بالإكتئاب والقلق، وسوف تَحزَن على غيابي وستمشي بغرفتي وتبكي, وثق بي، بينما أنتَ تفعل ذلك ، سوف أمضي بين إختيارات أطعِمة الكافتيريات الرديئة وأحِن لوجبة مطبوخة في البيت وأبكي.

        لكن فَكّر في الشخص الذي سأكون عليْه، الشخص الذي قد تستمتع بوجودَك معه أكثر بكثير منّي الآن، الشخص الذي ستتمكن قريبًا من تهنئته مع الهتافات يوم التَخَرّج ، الشخص الذي ستستمتع معه بجميع أنواع المحادثات المُهِمّة لسنوات كثيرة قادمة, أنا  أسمع أن كل شيء يحدث بسرعة,  أنت والدي، لذلك قد تشبه الأشياء الآن, هذا المشهد في فيلم رأيْناه, حيث يسترجع الأب ملايين مِن ذِكريات إبنته في الليلة التي سبقت زفافها,  أنت أيضا ستنغَمِس في التفكير في ذكرياتك معي,  حين كنت تقودني إلى المنزل من المستشفى بعد ولادتي ، كلماتي الأولى ، الوقت الذي كنت أرتدي فيه أحذيتك في سن الثالثة وتعثرت ، حين سِرْت بي إلى الحافلة للذهاب إلى رياض الأطفال، وما إلى ذلك, كل ذلك سيلمع أمام عينيك  ويؤلِمَك،  أنا أفهم ذلك.

        الآن، مجرد تفكير: سنقوم بِعَمل ذِكريات جديدة, يمكنك زيارتي في الكلية ومقابلة أصدقائي الجدد,  ربما يمكنك حتى الإنضمام إليّ في فَصْلِي والجلوس معي إذا قال أستاذي أنه بالإمكان, يمكنكم إعداد الأطعمة التي أحبّها, وإرسالها في منتصف المدة ، وسوف أقوم بمشاركتها مع مجموعة أصدقائي.

            وفي هذه الأثناء ، يمكنك إستعادة حياتك, الذي كنت على الأرجح تَتُوق إليها, عندما كنت أجذب ملابسك, لشراء المصاصات والسندويشات والآيس كريم لي, أو الشخص الذي كنت تتمنى أن تكونه, عندما كان عليك أن تراعينى خلال رحلة دراسيّة ، وكان من الممتع أكثر لكَ أن تأخذ رحلة رائعة على الطريق بشكل عفوي مع صديق, إنها الحياة التي يمكنك الحصول عليها الآن! لذلك، اذهب وإفعل الأشياء التي قد تجعلك سعيدًا.

        وفكر فقط، يمكنك إستعادة نومك, على الأقل حتى أعود لزيارتك وأريد البقاء مع أصدقائي حتى الساعة الثانية صباحا.

        وتذكّر ..سوف تقلق عَلَيّ, وأنا سأقلق عليك ، بشأن صِحّتك، لأنني أريدك أن تكون موجودًا بحياتي لأطوَل فترة ممكنة, حتى عندما لا أتصرف دائما بِما يُوُحي بِمثل ذلك.

     ستفتقدني عندما أرحل لحياتي الجديدة في الجامعة,  لكن تذكر: سأفتقدك أيضًا, وسنكون دائما على ما يرام.

المَرجِع:

Deborah J. Cohan.(2018): dear parents ,its time, let them fly the nest. psychologytoday.com

 *مستشار نفسي وتربوي/مصر

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.