د. نورهان سليمان تكتب : حقوق الإنسان عقيدة أم قانون ؟

Spread the love

عندما نستعرض اى من السياقات داخل قوانين و مبادىء حقوق الانسان يتطرق الى الذهن عديد من الاسئلة التى تحتاج الى إجابات وافية مثل صواب التشبيه الديني من عدمة عند مناقشة التوترات بين نظرية حقوق الإنسان منذ نشأتها وتطبيق هذه الحقوق، مع الحفاظ على علاقة حقوق الإنسان بالنظم الأخلاقية الثقافية، الدينية، والإيديولوجية الأخرى. وسوف نحاول معا الاجابة على تلك التساؤلات فى عدد من المقالات المتتالية نستهلها بالمقال التالى .

  • حقوق الإنسان عقيدة أم قانون ؟

 الأدلة التاريخية تشير إلى أن حقوق الإنسان هي في الواقع نسق قيمي يهدف إلى توحيد الجنس البشري في (مجتمع أخلاقي) على سبيل المثال فإن إحياء حقوق الإنسان عبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كان يهدف إلى توحيد الليبراليين والاشتراكيين أخلاقيًا بواسطة ترسيخ دعمهم المشترك للقيم المعادية للفاشية.

  بعض الفلاسفة أسسوا لفكرة أنه من غير المناسب مقارنة حقوق الإنسان بالدين نظراً إلى أنها من المفترض أن تكون مذهبًا علمانيًا ذي أسس عقلانية تجعل حقوق الإنسان تعلوا على العقيدة، رغم أن الطموح الأصلي لنظرية الحقوق الطبيعية هوالتفكير فيها بوصفها علم أخلاقي.

وعليه فإننا حين نقارن حقوق الإنسان بالدين، فإن ذلك يكون بالمعنى الذي أعطاه عالم الاجتماع الفرنسي (إيميل دوركايم) للدين : بأنه نسق موحد للمعتقدات والممارسات المتعلقة بأشياء مقدسة ـ أي أشياء معزولة ومحرمة – توحد جميع الملتزمين بها في مجتمع أخلاقي واحد.

فلا شك فى أن للاستناد على عقيدة آثار عميقة بالنسبة لطريقة فهمنا وترويجنا لحقوق الإنسان، لأن هذا الاستناد يضع الحقوق في وضع مأزق معرفي وجهاً لوجه مع نظم أخلاقية ثقافية ، دينية، أوأيديولوجية أخرى.

وقد أنشغل الفلاسفة في أماكن وأزمنة مختلفة للإجابة عما إذا كانت المجتمعات المبنية علـى السـيطرة يمكـن أن تتحـول إلـى مجتمعـات مبنيـة علـى الحقوق وقائمة عليها .

فالفكر الشرقي القديم الـذي انطلـق مـن الهنـد والمتمثـل بالهندوسـية ( 1300:1500 ق.م  ) وانتشـر مـن الهنـد الـى منـاطق ومجتمعـات جنـوبي شـرقي اسـيا : احتـوى فـي نصوصـه علـى جملـه مـن الحكـم والتـأملات الخاصة بالانسان والخلق والطبيعه كما جاء في نصوص ( الفيدا ) وهى الكتب المقدسة للهندوس .

مـن الهنـد انطلـق (جوتامـا سـد هارتـا بـوذاـ 480 : 560 ق.م) تعــاليم بســيطة نســبيا ويســهل اســتيعابها تحتــوي علــى الكثيــر مــن مبــادئ المســاواة والحرية ونشر العدالة .

 في الصين منذ أربعة وعشرين قرناً أسس الفيلسوف (مـوزى) المدرسـة الموهيـة التـي أكـدت علـى احتـرام الآخـرين واحتـرام حقـوقهم. كمـا انشــأ كونفوشــيوس مــذهبا اخلاقيــا واجتماعيا .

حضـارة وادي الرافـدين فقـد وثقـت اقـدم قـانون مـدون فـي تـاريخ البشـرية المتمثـل بشـريعة (حمـورابي ) التـي تـوفر الحمايـة القانونيـة الـى كافـة مـواطني الشعب البابلي . ثم نجد لفكرة حقوق الانسان أساسا متينا في جوهر الدين المسيحى والإسلامي .

ومما تقدم نجد ان الأفكار المبكرة عن حقوق الإنسان لم تنبع من مكان واحد فقط لكنها كانت مقسمة على مر العصور .

 كما كان إعلان حقوق الإنسان والمواطن (1789) والذى يعد من وثائق الثورة الفرنسية الأساسية التى تتعرف فيها الحقوق الفردية والجماعية للأمة والذى تأثّر بفكر التنوير ونظريات العقد الاجتماعي والحقوق الطبيعية التي قال بها مفكرون أمثال جان جاك روسو،جون لوك، فولتير،مونتيسكيو، عندما أعلنوا (حقوق الإنسان الطبيعية)، غير القابلة للتصرف والمقدسة، بمعنى أن حقوق الإنسان من المفترض ألا تكون محلاً للنقد، وألا تنتهك، وأن السلطة التي وهبتها تعلوعلى الزمن ، فهى  مستندة إلى العقل أكثر من استنادها إلى الله، فقداستجابت لنظريات الحقوق الطبيعية للحاجة إلى قواعد أخلاقية مشتركة لتفادي النزاع اللاهوتي.

ولعل أكثر ما يلفت النظر لإدراك أن حقوق الإنسان تستند واقعياً إلى عقيدة هوما تم الاعتراف به بالفعل عند إصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)  ، ثم تلاه العديد من المعاهدات والاتفاقيات والصـكوك الدوليـة، وقد تضمنت الدساتير والتشريعات الوطنية هي الاخرى العديد من النصوص المقررة لحقوق الانسان تماشيا مع الروح العالمية دفاعا عن حقوق الانسان والانسانية فـي اعقـاب مجـازر الحـرب العالميـة الثانيـة و التى لم تظهر في الساحة الانسانية والقانونية بمظهرها الحالي الا منذ نصف قرن من الزمان، فان المصدر الديني لحقوق الانسان ممثلا (بالديانتين المسيحية والاسلامية ) قــد اقرتــا هــذه الحقــوق منــذ عشــرات القــرون،حيث ركــزت الديانة المسيحية علــى كرامــة الشخصـية الانسـانية والـدعوة للتسـامح والمسـاواة بـين جميـع النـاس كمـا انهـا رأت بـان السـلطة المطلقـة لا يمارسـها الا االله، وبهـذا تكـون قـد رسـمت حـدوداً فاصـلة بـين مـا هـو دينـي ومـا هـو دنيـوي مـن اجـل تنظـيم المجتمع الانساني على اسس واضحة، اي رسخت فكرة تحديد السلطة.

أما الشريعة الإسلامية التي اقرت هذه الحقوق قبل اربعة عشر قرن فيقـول فيهـا الشـيخ الغزالـي)ان اخر ما املـت فيـه الانسـانية مـن قواعـد وضـمانات لكرامـة الجـنس البشـري كـان مـن ابجـديات الاسـلام، وان اعـلان الامـم المتحـدة عـن حقـوق الانسـان ترديـد للوصـايا النبيلـة التـي تلقاهـا المسـلمون عـن (الرسـول الخـاتم محمد صلى الله علية وسلم ) .

رغم أنة كثيرا ما يتم التعبير عن حقوق الإنسان العالمية، وتضمن بواسطة القانون في شكل معاهدات، والقانون الدولي العرفي، ومبادئ عامة، أو بمصادر القانون الدولي الأخرى، كمايرسي القانون الدولي لحقوق الإنسان التزامات على الحكومات بالعمل بطرق معينة أو الامتناع عن أعمال معينة، من أجل تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية الخاصة بالأفراد أو الجماعات.

الا إن لنا جميع الحق في الحصول على حقوقنا الإنسانية على قدم المساواة وبدون تمييز , فحقوق الإنسان هى حقوق متأصلة في جميع البشر، مهما كانت جنسيتهم، أو مكان إقامتهم، أو نوع جنسهم، أو أصلهم الوطني أو العرقي، أو لونهم، أو دينهم، أو لغتهم، أو أي وضع آخر.

ولابد أن نتكاتف جميعا لجعل حقوق الإنسان تحتضن الإنسانية جمعاء وبالتالي نضمن شيوع السلام على الأرض.

صوت الشعب 2018/01/13 9:06م تعليق 0 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

four × three =