“غربة هنا .. غربة هناك” .. بقلم : د. محمد المراكبي

سنواتُ غربةٍ موحشة عشتُها لكن  بنصف روح ،

وفؤادٍ لم يكن خلالها الفؤاد الذى به أُعرَف.

لقد تبعنى  المسكين مرغما بعد أن اشترط عليّ ألا أبدله فى المنتصف.

و أما نصف روحى فقد استودعتُه بين ضفاف كتبى .

أذكر أنى ليلةَ استودعتُه مررتُ على كل كتاب أنطر إلى توقيعى فى أول صفحة بعد الغلاف ،

وأنطر إلى تاريخ الشراء ، ومن أى بائع للجرائد أو من  أى بائع للكتب.

لقد كانت ليلة من أسوأ ما مر بى.

كنت  أحفر التفاصيل  فى نصف  ذاكرتى،

و حتى لا انسى وثقت كل ذلك فى مذكرتي.

ثم أوصيتُ المكتبة ألا تُضيع منها كتابا ،

فيضيعَ معه  جزء من نصف روحى المودعة.

و هكذا كان معى فى غربتي نصف روح  وقلبٌ أعطيتُه موثقا بألا أضيعَه.

لم أكن أحب الدموع وقت الوداع، بل لم أكن أحب الوداع .

لم أودع حينها غير أمى وأبى،

 و فى عيونهم نظرات مشفقة من ذلك المجهول المنتظر.

كدتُ أتراجع لما انسابت دمعة من عينيّ أمي تبعتها دموعى ودموع من حضر.

ونظرت إلى العيال ،فوجدتُ أنهم ما زالوا صغارا إلا أنهم بدأوا يفهمون ما يدور حولهم وبدأوا يسألون الأسئلة.

لماذا ؟ و كيف؟ و متى؟.وعيونهم تسأل هل نلتقى ؟

فتجيب عيونى : نعم ربما!

إغتربتُ و رويداً رويداً نسيتُ المكتبة والوديعة التى بها ونسيت رائحة الورق.

كما نسيت العهد المقطوع منى لفؤادى بألا أغيره مهما كان من أرق.

 أشياء كثيرة قد نسيتها ، وأشياء أخرى كثيرة قد تسللت وتبدلت، واشياء قد مُسخت ، و أناس قد ماتوا كمداً علينا لما نسيتاهم

فنصفُ روحى التى بحوزتى أصبحت لا تعرف العاطفة .

والقلب أصبح قلب غيرى بعدما صرتُ دُميةً خيطها بيد الإغتراب فما أعنفَه.

فهل  سأجد إن عدتُ بقية الروح كما أودعتها شفافة ،

و هل سأجد الكتب

وأجد المكتبة.؟

وماذا عن فؤادى الذى تبدل حالُه وروحى التى صاحبتنى فى غربتى. يبدو أنها لن تعرف نصفها الآخر، و يبدو أننى سأعيش بنصْفَى روح.

ويبدو أن الكل قد اغترب ، و أنى لن أجد أصدقائى كما كانوا ،

 يبدو أنى لن أجد أحدا غيرى ،

و النار والحطب ،

أجلس بجوارهما فى الشتاء متكوراً ،

و من حولى بعض القطط ،

أعطيها بقايا طعام

أتلَّهى بذلك عن وحدتى .

لا اعرف إن كان فى ذلك سعادتى!

المهم أنى قد عدت من غربتى إلى إغترابى  مع المغتربين من اصدقائى فى قريتى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.