الأربعاء , نوفمبر 20 2019
الرئيسية / نبض القلوب مع حسام أبو العلا / ” قلب مهزوم ” .. قصة قصيرة .. حسام أبو العلا

” قلب مهزوم ” .. قصة قصيرة .. حسام أبو العلا

 كان بداخلي إصرار على أن اتفوق في الثانوية العامة لأهدي نجاحي لروح أمي التي رحلت وأنا مازلت عودا أخضر، كانت تحلم أن تراني “إنسان محترم” كما كان ينطق لسانها بعفوية أم مصرية بسيطة، كما كنت أتمنى أن اكافىء والدي على صبره وتحمله مشقة تربية ثلاثة أبناء بعد رحيل رفيقة دربه وشريكة عمره التي غادرت الحياة في هدوء وتركت لنا أثمن من المال، إذ أينع الحب الذي زرعته في قلوبنا وأثمر عطاء لو وزع على العالم لكفى وفاض.

كنت أنظر كل مساء لشقيقي الأصغر الذي كان لا يزال زهرة بريئة مازالت تتفتح في بستان الحياة لم يمر عليها إلا خمسة أعوام فتتساقط دموعي الملتهبة من عينىَّ الباكيتين اللتين جافاهما النوم، وأناجي الخالق أن يلهمني الصبر على رحيل نبع الحنان، وأن يوفقني في أن أروي هذه الزهرة حتى تتفتح أملا وتمنح كل من تحبه عبيرا من الحب والود والإخلاص.

وبرغم صدمتي برحيل أمي وانكسار قلبي جففت دموعي سريعا فقد أدركت أن المسئولية كبيرة، وعاهدت والدي أن أظل بجواره سندا حتى نعبر معا هذه المحنة، وطالبته أن يركز في عمله ووعدته بأنه لن يندم يوما، كان بداخلي رضا وهدوء نفسي وثقة في توفيق الله، ولأنه لا يوجد في الحياة أرحم من الله على الإنسان، كنت دوما اتضرع إليه بقلب خاشع فلم يخذلني سبحانه.

مرت ثلاثة أعوام حتى وصلت إلى الثانوية العامة وكان شقيقاي يجتازان المراحل الدراسية بنجاح، كان كل همي ألا يتعثر أحد منا في أي سنة فما يحاصرنا من ظروف وما يعانيه والدي من ضغوط لا تسمح بأي إخفاق، كنت ألمح نظرات الشفقة في عيون والدي ترمقني بين حين وآخر، ولكني كنت أقابلها بابتسامة تذيب فورا ما يحمله قلبه من هموم، كنت أراه قدوة قلما يجود بمثلها الزمان، تضاعف حبي له وأنا أراه شامخا يتحدى الظروف القاسية، كان ولا يزال ينبوعا من الحب والحنان الصامت فهو لا يجيد فن الكلام، ولكن لمساته، همساته، نظراته، تفوق في معانيها أجمل الأشعار .

نسيت نفسي فلم أتذكر أنني في هذه السنوات داعبت معشوقتي كرة القدم ودفنت موهبتي التي كان يتغنى بها كل رفاقي، كما كنت نادر التنزه، فانصرف عني كثير من زملائي وجيراني بعدما لاحظوا تغيرا في شخصيتي، حينها كان كل طموحي في الحياة أن تعبر أسرتى نهر الأحزان لنرسو على شاطئ الأمان.

أصبحت علاقاتي محدودة بعد انعزالي فقد زلزت صدمة رحيل أمي كياني وحولتني لإنسان انطوائي، لكني كنت أشعر بارتياح شديد في هذه الوحدة، عندما كنت أشعر بالضيق أجد قدمىَّ تجنحان بي نحو محل صديقي حمدي الذي كان يساعد والده في إصلاح الأجهزة الكهربائية، كان إنسانا نقيا ما شجعني على الجلوس والحديث معه، وفي يوم طلب مني انتظاره بالمحل دقائق حيث كان يشتري بعض قطع الغيار التي يحتاجها عمله،  وفجأة وجدت أمامي فتاة جميلة تسأل عن حمدي لإصلاح عطل في ثلاجة بمنزل والدها،  فقلت لها أنه سيعود خلال لحظات، دفنت عينىَّ وسط ما يزدحم به المحل من أجهزة يكسو أغلبها التراب حتى لا تلتقي بعينى الفتاة، ثم فوجئت بها تسألني، ألا تتذكرني؟!.. ارتبكت وتعلثمت كلماتي، وبعد ثوان من الصمت قلت لها: “سامحيني ربما أراك للمرة الأولى”، فقالت بسرعة: “أنا عايدة كنت زميلتك في المرحلة الابتدائية وهذا منزلي”، وأشارت لشرفة عرفتها، ثم تحدثت بثقة كبيرة، فقالت: “أنا ما زلت اتذكرك، فملامحك لم تتغير كثيرا، ولكنك لم تكن ترتدي نظارة طبية”.

تظاهرت بأنني تذكرتها ورسمت ابتسامة على وجهى لأكسر الخجل الذي سيطر علي، وفي هذه اللحظة عاد حمدي ورحب بعايدة ففهمت من حديثهما أنهما يعرفان بعضهما جيدا، فطلبت من صديقي الانصراف فتعجب وطالبني بالانتظار، ولكني كنت مصرا على الرحيل، ولا ادرى لماذا اتخذت هذا القرار رغم أني كنت شغوفا بالحديث مع عايدة.

وبعد وصولي إلى منزلي رن الهاتف فوجدت حمدي يمطرني بعبارات من اللوم والتوبيخ على رحيلي بدون عذر، كان قلبي يخفق بقوة انتظارا لكلمات منه يحدثني بها عما قالته عايدة عني، لكن انتهت المكالمة ولم يقل شيئا مما تمنيته، لم تمر الليلة بهدوء، فقد خاصم النوم عينىَّ وظل عقلي يفكر وقلبي ينبض بشكل لم أجد له تفسيرا.

كنت استغل أية فرصة للذهاب لمحل صديقي ربما تطل عايدة من شرفة غرفتها، كان يساورني إحساس بالذنب بضرورة أن اكشف لحمدي عن تفاصيل الحديث القصير مع عايدة وعن إحساسي الغريب نحوها والذي يدهم قلبي بقوة، لكني خشيت أن يعلم أني أزوره لأرى الحبيبة المجهولة التي تملكت مشاعري في وقت قياسي .. كنت أطوف حول منزل عايدة فربما أراها، وبعد أيام سطعت مثل الشمس في يوم شديد البرودة لتبدد مشاعري المتبلدة لأحاسيس تنبض دفئا، بصعوبة بالغة تخطيت حواجز خجلي ووجهت عدة نظرات صوبها فرأيتها تتجاهلها ما أصابني بحيرة وصدمة معا ثم أغلقت شرفتها، شعرت بإهانة كبيرة لمشاعري رغم إدراكي أنه التصرف الأمثل لأي فتاة لا تقبل أن تحاصرها الشائعات.

 في كل يوم كان يزداد إحساسي ولكن في لحظة تأنيب حدثني ضميري بأن ظروفي لا تسمح بأن أفكر لو لحظة بأن أطلق سراح عواطفي ومشاعري الحبيسة، حسمت موقفي وقررت ألا أزور حمدي مجددا لأخمد هذا البركان الثائر الذي انفجر بقلبي الذى صبر سنوات على الألم والوجع، وكلما كان صديقي يستفسر منى عن أسباب انقطاع زياراتي كنت أبرر له موقفي بانشغالي بالمذاكرة ورغبتي في التركيز، وعزمت على أن احتفظ بمشاعري لنفسى، وألا أبوح حتى لمن سكنت قلبى وروحى.

ورغم ذلك فقد أبت عيناى ألا ترمقها بين حين وآخر وفي كل مرة كانت تلتقى فيها العيون كنت أشعر منها بنفس نظرة التجاهل، ولاحظت دوما فتاة تجلس معها فكنت حينما أراها أهرول سريعا حتى لا تراني، وكان يقتلني الشك بأنهما يتهامسان علىَّ، فكنت اتألم من صمتي ولكن لم يكن بمقدورى أن افعل شيئا غير الإفضاء للأوراق بأسرارى على هيئة قصص وأشعار حملت مشاعرى المتدفقة، وأسررت إليها بمخزون قلبى من عشق.

انتهي العام الدراسي وحققت نجاحا مرضيا، لكنى لم أحقق التفوق الذى كنت أصبو إليه، وفي اليوم الأول بالجامعة رأيت عايدة على محطة القطار ولكنها كانت على الرصيف المقابل، فأدركت أنها التحقت بجامعة أخرى غير الجامعة التى التحقت أنا بها، ولكن بينما كنت أنهي بعض الأوراق لمحت صديقتها، وعلمت أنها معي في الكلية ذاتها، حرضني قلبي بأن اتعرف عليها ربما تقرب المسافة بيني والحبيبة التي أسرت الفؤاد، لكني تراجعت فلم أجرؤ على الحديث معها.

انتصف العام الجامعي ولم أتحدث مع صديقة عايدة وكنت اهرب من أي موقف يجمعني بها خشية أن تفتح معي أي حديث بشأن صديقتها، بينما عشت في حالة نفسية سيئة لاختفاء الحبيبة التي لم تجمعني بها الظروف لو مرة منذ بداية الدراسة.

وشاء القدر أن أشارك في ندوة بالجامعة والقيت بعض مما اكتبه من شعر، ولم أكن أعلم أن هذه الندوة ستكون نقطة تحول في حياتي، فبينما استعد للانصراف استوقفتني صديقة عايدة، وبعد والثناء على ما ألقيته، قالت ما كنت اتمنى الموت ولا أسمعه، حيث كشفت أن من نسجت من حبها أشعارا كانت تستدعيها من أجل السخرية مني عندما أمر وألقي نحوها النظرات، حاولت أن أحفظ كرامتي فأنكرت صلتي بحديثها، وبأن صديقتها مخطئة في ظنها، لكنها صفعتني بقوة عندما حددت بدقة موعد طوافي اليومي حول المنزل، وأنهما طالما ظلا ليال يتسامران وتتعالي ضحكاتهما وصديقتها تحكي لها عن هذا العاشق الولهان.

 لم ترحم إنهزامي وزادت من حديثها الموجع بقولها أن من ألبستها ثوب القديس ثم اكتشفت أنها لا تقل عن أبليس في ظلمه، تسخر دوما من محبيها وتتباهي بجمالها، وبررت حديثها الصادم لي بتأنيب الضمير، وبرغبتها ألا استمر في حب لا وجود له في قلب صديقتها .. شكرتها وانصرفت وأنا لا أرى ملامح للطريق، شعرت بأني غريق يحتاج ليد تنتشلني، أو بأني في كابوس مزعج، تحجرت الدموع في عينيَّ، تمالكت بصعوبة بالغة أعصابي المنهارة، عدت لمنزلي وأغلقت باب حجرتي، التقطت يداي أوراق وقلم لاعصف بما داخلي من أحاسيس، لم يغمض لي جفن إلا بعد أن انتهيت من كتابة قصة “قلب مهزوم” .. ثم استلقيت في نوم عميق مرتاح القلب والضمير، وما إن تفتحت عينيَّ حتى وجدت لساني ينطق بكلمة “الحمد لله ” فهي الكلمة التي لا تفارق قلبي وتمنحه القدرة على مواجهة أي ظلم أو ألم.

بعد أيام أعلنت الجامعة عن مسابقة للشعر والقصة القصيرة، ترددت كثيرا بأن أتقدم بأعمالى إذ كنت أشعر أن محاولاتي الأدبية متواضعة لا تقارن بالموهوبين من رفاقي، لكن أحد أصدقائى تقدم بقصتي “قلب مهزوم” التي نشرتها في إحدى مجلات الحائط بالجامعة دون أن يخطرني، وبعد أسبوعين رأيته يهرول نحوي ويقبلني ويقول “مبروك فازت قصتك بالمركز الأول في القصة القصيرة” ظننته يمزح ، لكنه باغتني بأن التكريم سيقام غدا بحضور رئيس الجامعة.

كانت لحظة جميلة وأنا أتسلم أول جائزة في حياتي، فأهديتها لروح أمي وعطاء أبي، وأثناء انصرافي فوجئت بصديقة عايدة تقدم لي التهنئة، فقلت لها غدا سأحضر لك مظروفا رجاء توصيله لصديقتك، فاندهشت ولكني وعدتها بأن يكون مفتوحا وتقرأ ما به، عدت لمنزلي وصورت نسخة من شهادة التقدير والقصة وكتبت كلمات معدودة في ورقة منفصلة للحبيبة الساخرة: “أهديك هذه الجائزة لأن ظلمك ألهمني هذه القصة، سأعيش فخورا بصدقي ونقاء قلبي وجائزتي، بينما قد لا يكون بحياتك ما يستحق أن تفخري به”.

 

عن محمد فتحي الشريف

شاهد أيضاً

حسناء فؤاد تكتب : اسميتهُ بحراً !!

ولمحتهُ جالس أمام البحر كعادتهُ .. فى يدهِ فنجان قهوته محبوبته السمراءُ … حلاها بزيادة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.