ماذا لو فتحنا أبواب عقولنا لبعض الأفكار”المجنونة” ؟  .. بقلم : د.فايزة حلمي

 نحن نستبعد الكثير من الأفكار من عقولنا على أساس أنها ، كما وصفناها ، “جنون”. ومن الواضح أن البعض منها: له معني ، أو معيب ، أو سخيف ، أو تافه ، يستحق المزيد من الاستكشاف. لكنها واحدة من مآسي حياتنا الفكريّة ، التي تقع في خضم مخلفات الأفكار المفككة ، هناك دائمًا عدد كبير كان من الممكن أن يكون ذا قيمة عالية ، لو أننا تجرّأنا فقط على دراستها أكثر ، لو أننا لم نكن مرعوبين من أبعَادها الأقل تقليدية والأكثر تأمّليّة ، لو أننا لم نكن مقاومين لحدوث انفجار مفاجئ من التفكير المجنون.

          العديد من أعظم الأفكار التي أنتجتها البشرية على الإطلاق, في مستوى ما,  هي غير عادية ، ومن بعض الزوايا ، البُعد المجنون, إن روائع الفن ، وخطط الأعمال لبعض الشركات ، ومحادثات الأحباء الملهمين ، ورؤى المنظرين السياسيين ، كلها بها عناصر تُعارِض  الوضع الراهن المستقر، وتحتوي على جوانب غير مألوفة ، خلافا للرأي المُعتاد ولا يحتمل  الإجراءات اليومية,   ومع ذلك فقد استفادنا من كل هذا النوع من الأفكار. تتعرض حياة التفكير لدينا لأضرار بالغة بسبب خلفيّة أساسية تظهر في جميع الأوقات طبيعية تمامًا وعقلانية تمامًا:  لذا يجب علينا ، لتعظيم رؤيتنا ، تعلم تكوين صداقات مع لحظات التفكير “المجنون”.

          إن الخطوة الأساسية في التفكير “المجنون” هي أن نضع جانبا, القيود الطبيعية على خيالاتنا, مؤقتاً, على سبيل المثال ، يعتبر المال بشكل طبيعي دائمًا له أهمّية  رئيسيًة ، ولكن بروح من الاستفسار “المجنون” ، يمكننا أن نسأل أنفسنا كيف نتعامل مع قضية ما إذا لم يكن المال عاملاً, ربما حينها نرى فجأة أن مهنة معينة تناسب طبيعتنا بعمق ، ربما نركز أكثر على الجمال أو الخُلق ، والصدق أو المغامرة ، قد ينتهي بنا الأمر إلى العيش في بلد مختلف تمامًا أو بدء علاقة جديدة. وبدون الحاجة الماسة للتفكير فقط في حدود التخطيط المالي المعقول ، نجد الأفكار التي نبعدها عادة, قد تبدأ في التقدّم للصدارة ، وبعضها قد يكون ذي قيمة عالية, علاوة على ذلك ، يمكن أن يتبين ، عند الفحص الدقيق ، أن بعض خططنا المُحَبّبةة لم تكن في الواقع تعتمد بالكامل على التمويل ، وإنما ببساطة أننا اعتدنا على رفض كل فكرة أكثر طموحا على أساس المال.

         وبالمثل ، يمكننا أن نسأل أنفسنا، بروح “جنون”, ما سنفعله إذا عرفنا أننا لا نستطيع الفشل؟!! بعد أن تحرّرنا ألا نفكر دوما في منتقدينا الضاحكين ، حينئذ, قد نكتشف أننا نرغب بشدة في مواصلة مشروع تجاري, إذا عرفنا أنه سيكون مربحا جدا بعد بضع سنوا,  أو ربما نركز على الرياضة,  أو قد نختار قضاء المزيد من الوقت في رعاية أطفالن,  إذا عرفنا أن هذا لن يمنع التقدم في حياتنا العملية,  أو ربما ننفق أمسياتنا في كتابة رواية – إذا كنا نستطيع التأكد من نشرها وبيع عدد محترم من النسخ, بالطبع ، في الواقع لا يمكن أن تكون هناك مثل هذه الضمانات ، لذا إبعاد مخاوفنا جانبا لفترة معينة من الزمن, يساعدنا على تحديد مجالات حماستنا الحقيقية.

على نطاق أوسع ، يمكننا استخدام التفكير “المجنون” لتطوير وجهات نظرنا الاجتماعية والسياسية, قد نطرح ، على سبيل المثال ، مخاوفنا إذا كان بإمكاننا أن نكون الحاكم المطلق للعالم لمدة شه!!! ربما سنأخذ الكثير من الاهتمام بالهندسة المعمارية أو نعيد ابتكار النظام المدرسي,  يمكننا إعادة تصميم المنتجعات السياحية أو إعادة هندسة الطريقة التي يتم بها اختيار القادة, تساعدنا هذه الممارسة “المجنونة” على التعرف على الطموحات الاجتماعية والسياسية التي قد تكون لها ميزة حقيقية,  فالفكر “المجنون” ليس ، كما قد نفترض ، متناقضاً مع الواقع، فهو آلية خيالية للكشف عن إمكانيات أقل وضوحاً, لكنها مُهمة , في العالَم الحقيقي.

           قد لا يحتوي تفكير “المجنون” على إجابات دقيقة لكل الأسئلة, ، لكنه يشجعنا على تحديد مشكلة معينة نرغب في حلها , على أي حال ، لا تبدأ التغييرات في الحياة الشخصية وفي المجتمع والأعمال بخطوات عملية: فهي تبدأ كأفعال خيالية ، مع شعور قوي بالحاجة إلى شيء جديد ، سواء كان ذلك لمحرك أو جزء من التشريع أو حركة اجتماعية أو طريقة جديدة لقضاء عطلة نهاية الأسبوع. في نهاية المطاف, يجب أن تتم عملية بلورة الرغبة في التغيير في مرحلة سابقة ، في أذهان الأشخاص الذين يتمتعون بالحرية الكافية للتنبؤ بما لم يكن موجودًا حتى الآن, وليس بعد,  معقول تماما.

     أحد أكثر المفكرين جنونًا وإلهاما في العالم , كان الكاتب الفرنسي في القرن التاسع عشر(  Jules Verne) (جول فيرن),  في سلسلة من الروايات والقصص ، كان لديه الكثير من الأفكار غير المتوقعة حول كيف يمكن أن نعيش في المستقبل,  على بُعْد(عشرين ألف فرسخ) تحت البحر، التي نشرت في باريس في عام 1870 ، رَوَى (فيرن) مغامرات (نوتيلوس) ، وهي غواصة كبيرة تقوم بجولات في محيطات العالم في كثير من الأحيان بهذا العمق, لمسافة حوالي ثمانية آلاف كيلومتر هي  المسافة المقطوعة), عند كتابة القصة ، لم يساور فيرن الكثير من القلق بشأن حل كل مشكلة فنية تتعلق بالاستكشاف تحت البحر,  فقد كان عازماً على تحديد القدرات التي شعر أنه سيكون لها أهمية في يوم من الأيام, على الرغم من أنه ليس لديه أية فكرة عن كيفية صنع الزجاج الذي يمكن أن يتحمل ضغوطًا هائلة من الضغط الجوي, لقد تخيل أن السفينة تمتلك آلة يمكن أن تجعل مياه البحر صالحة للشرب ، على الرغم من أن العلم فيما يخُص  تحلية المياه كان بدائيًا للغاية في ذلك الوقت,  ووصف نوتيلوس بأنها تعمل ببطاريات,  رغم أن هذه التكنولوجيا كانت في مهدها.

       لم يكن جول فيرن عدواً للتكنولوجيا؛ كان مفتونا بعمق, بالمشاكل العملية, ولكن ، في كتابة رواياته، إمتنع عن القلق أكثر من اللازم حول التفاصيل التي تطرحها  أسئلة “الكيفية”,  أراد أن يصوّر الطريقة التي يمكن أن تسير بها الأمور ، في الوقت الذي يتخلص فيه , لبعض الوقت , من الإعتراضات العملية العديدة التي يجب معالجتها في وم من الأيام. وهكذا استطاع فيرن أن يجعل فكرة الغواصة في أذهان الملايين في حين ظهرت التكنولوجيا ببطء مما يسمح للواقع بأن يترسخ, في نهاية المطاف، ولكن التفكير “المجنون” يذكّرنا بأهمية البدء بتحقيق أهدافنا,  في روايته لعام 1865 ،” من الأرض إلى القمر” ، استكشف فيرني فكرة الدوران ثم الهبوط على القمر, لقد سمح لنفسه أن يتخيل مثل هذا العمل الفذ دون أن يشعر بالحرج من أنه بعيد تماما عن متناول كل التكنولوجيا المتاحة حينها.

كلنا لدينا جانب “جنون” لأدمغتنا ، التي نحرص عادة على إخفاءها ، خوفًا من الإتّهامات, ومع ذلك ، فإن الطريق إلى العديد من الأفكار الجيدة ، والرؤى الدقيقة والاقتراحات القيمة يجب أن تمر من خلال بعض الأفكار المبكرة التي قد تبدو مضحكة أو سخيفة, إذا شعرنا بشيء من الخوف حين تضع عقولنا إقتراحاتنا الغريبة، فسوف نُوُقِف عملية التفكير مبكرًا جدًا – ولن نمنح بعض أفضل أفكارنا الفرصة التي تحتاجها بشدة في بعض الأحيان.

          *مستشار نفسي وتربوي/مصر

 

المرجع :

The book of life.(2014): why we need moments of mad thinking

 

مقالات ذات صلة