الخميس , نوفمبر 23 2017
الرئيسية / Uncategorized / منى صلاح تكتب : المدرس الحكومي .. الحلم الضائع !!

منى صلاح تكتب : المدرس الحكومي .. الحلم الضائع !!

كان التعليم الإلزامي في مصر في أواخر القرن الماضي محصورا بين المدارس الحكومية والمدارس الخاصة. وكانت الأغلبية العظمى من الشعب أبناء الطبقة المتوسطة والفقيرة وحتى من الطبقة الأرستقراط تلجأ لتعليم أبنائها في المدارس الحكومية ثقة منها في قدرة المدرس الحكومي وأنه أفضل وأكثر تميزا وعلما من مثيله في المدارس الخاصة. ولم يكن هناك سوى قلة ممن يدفعون بأبنائهم للمدارس الخاصة لأسباب عدة؛ فمنهم من يريد مستوى معين من التعليم لهم حفاظا على المستوى الاجتماعي للأسرة، ومنهم من ينشد البرستيج والتفاخر بين من حوله بمدارس أبنائه وأنه يدفع بالآلاف كل عام وهذا يعد مظهرا كافيا على الوجاهة الاجتماعية.

ومنهم من كان في قناعته أن التعليم الخاص هو السبيل الوحيد لتنشئة جيل يحمل جينات تعليمية وثقافية غير عادية، متناسين أن جميعهم في فترة زمنية ما قد تلقوا تعليمهم في الكتّاب، وصاروا بعدها من علية القوم.

أنا واحدة من هؤلاء الذين تلقوا تعليمهم في مدارس حكومية في جميع المراحل، الابتدائية والإعدادية والثانوية، ومازلت رغم مرور كل تلك السنوات أدين بالولاء والفضل لكل المعلمين والمعلمات في جميع المراحل وبخاصة الإعدادية والثانوية.

أذكر أن تعداد فصلي كان يتجاوز الستين وأحيانا السبعين ،في الصف الثاني الثانوي على وجه الخصوص، أذكر أيضا الإمكانيات التعليمية كانت محدودة جدا من مقاعد غير مريحة وغير كافية ووسائل تعليمية غير منظمة وغير محدثة ولا تلائم تطور العملية التعليمية بشكل كاف ..

بكل المقاييس، من ينظر لمعطيات ومكونات العملية التعليمية في مصر سيجدها هشة وضعيفة وبعيدة كل البعد عن التطور.. ومع ذلك، كان هناك إصرار غريب على التفوق، إصرار غريب على التحدي، تحدي الصعوبات التي لا نهاية لها من كل الأطراف ، بداية من المعلم الذي يؤدي دوره على أكمل وجه داخل الفصل مرورا بالموجه الذي يتابع مشاكل المنهج والكتاب المدرسي وينقلها للمديرية ثم الوزارة، حتى مدير المدرسة والوكلاء الجميع يعمل وفق منظومة تحدي واحدة لتصل بالطالب لبر الأمان. أما عن الطالب فكان الالتزام بالحضور ومتابعة الحصص والامتحانات الشهرية والتسابق مع أقرانه من سيحصل على أعلى الدرجات، من سيعطي الإجابة الأفضل ويكون الأكثر مشاركة في الحصة، سواء بالإعداد المسبق للدرس الآتي شرحه أو بالاستذكار الجيد للدروس السابقة. كذلك لم من عادة الأسر المصرية في هذا الوقت إعطاء أبنائها الطلاب دروس خصوصية أو حتى مجموعات دراسية في كل المواد ، إيماناً منهم أن ذلك يدفعهم للاعتماد على أنفسهم أولا ، ولأنها كانت مرهقة مادية للأسرة ثانيا خصوصا في وجود أكثر من طفل للأسرة. فكانت الدروس الخصوصية في الأساس تعطى في الشهادات، وللطلاب الضعفاء دراسيا في بعض المواد.

أما الآن، فلن أقول سوى سلاما على الزمن الجميل بكل ما فيه حتى التعليم. أصبح التعليم وسيلة وليس غاية. أصبح حقلا للتجريب بدون وعي ولا إدراك ولا حتى توقع لأسوأ النتائج المترتبة على هذا التخبط، سواء كان مقصودا أو غير مقصود. تنوعت المدارس بشكل مستفز، من حكومية – التي صارت في ذيل القائمة وأكثرها تأخرا وإهمالا – إلى التجريبية العادية والمتميزة – والتي أصبح دخول الجنة أسهل من دخولها – والنكتة الجديدة المستحدثة المدارس اليابانية.

بداية قبل أن أتناول كل منهم بالنقد، أنا لست بخبيرة تعليمية ، أنا مجرد أم مثل أي أم مصرية، فزعت من الحال الذي وصل إليه التعليم في مجتمعنا؛ مجرد أم تحاول أن تعطي أبناءها نفس القدر من التعليم الذي نالته يوما ما في مدارس عادية وبأقل قدر من الدروس وتحت أيدي معلمين كانوا لنا آباء وقدوة حسنة قبل أن يكونوا معلمين.

هالني ما سمعته من أحد رجال العملية التعليمية وكان يوما ما ذو منصبا، بأن التعليم صار مهزلة عشوائية، وزارة التربية والتعليم غفلت عن التطوير الحقيقي، ولا تدرك أن التطوير والتجريب لابد له من تخطيط استراتيجي وتنفيذ جيد متابع وسياسات صارمة ورادعة وقرارات مربوطة بأرض الواقع، ولا تصدر من مسؤول يجلس على مقعد وثير في التكييف يتلقى تقارير أبعد ما تكون عن الواقع من بعض الموظفين معدومي الضمائر.

يتحدث هذا المسؤول، بعد أن أنهى مدة خدمته طبعا بقلب من حديد، عن المدارس اليابانية والتي أثارت زوبعة غير عادية في المجتمع المصري منذ أن سمع بفكرة إنشائها، وصارت الحل الوحيد لكل الأطفال الذين لم يحالفهم الحظ بالقبول في تنسيق المدارس التجريبية وأصبح مستقبلهم في مهب الريح، كأنه لم يعد هناك تعليم في مصر سوى في المدارس التجريبية واليابانية بعد أن خرجت المدارس الحكومية من السباق وأصبحت المدارس الخاصة والانترناشونال في مقدور تجار المخدرات والسلاح فقط.

دعونا الأول نتعرض لقرار رئيس الجمهورية بوقف الدراسة في المدارس اليابانية للعام الدراسي 2017/2018 وتأجيل الدراسة بها لأجل غير مسمى، مع توزيع كافة الطلاب الذين تم قبولهم بها على المدارس التجريبية مع عدم وضع اعتبار للكثافة الطلابية داخل الفصل – وهي الميزة الأهم التي ميزت المدارس التجريبية دون سواها من المدارس التابعة للوزارة – . هذا القرار الذي جاء متأخرا جدا بعد علا صوت الاحتجاجات والصراخ من الفساد ربما أو من التعنت ربما ، في قبول الطلاب الذين تنطبق عليهم شروط القبول بجنة اليابانية. الكثير والكثير من أولياء الأمور صرخوا حينما تلقوا خبر عدم أحقية أبنائهم في الالتحاق بها – ولهم كل العذر- بعد أن تم رفض قبولهم أيضا في تنسيق المدارس التجريبية ولم يعد أمامهم سوى هذا المخرج الوحيد لضمان تعليم كريم لأبنائهم بعيدا عن الاستغلال البشع لقيادات المدارس الخاصة والانترناشونال والتي لم يعد عليها أي رقيب من الوزارة سواء في تقنين المصروفات أو في مراجعة المادة العلمية التي يدرسها طلابها.

نأتي الآن لما هو أهم من القرارات ، الواقع المؤلم للمدارس التجريبية والتي تعاني نقصا شديدا في أعداد المدرسين بسبب عزوفهم عن التدريس بها لأن يومها الدراسي طويل وبها رقابة سنعتبرها صارمة إلى حد ما في بعض المحافظات مما يصعب على المدرس الذي لديه ارتباطات تعليمية أخرى خارج نطاق المدرسة سواء في السنتر التعليمي الذي انتشر بجنون وأصبح مصدر دخل ثابت وممتاز للمدرس وغيره ممن ينتفع بوجوده، أو بدروس خصوصية لطلاب تركوا الذهاب للمدارس الرسمية لعدم أهميتها و جديتها ومدى العائد العلمي منها وانتظموا على الجانب الآخر في مدراس بير السلم والتي أقيمت على مرأى ومسمع من الوزارة والحكومة والأهل الذين رضخوا في النهاية واستسلموا لهذا المرار الطافح.

أما عن كارثة المدارس اليابانية – وأنا شخصيا أعتبرها كارثة بكل المقاييس – فحدث و لا حرج. فبعد أن صدرت منحة اليابان بإقامة مدارس على الأراضي المصرية، على غرار المدارس الصينية وغيرها، في أقل من ثلاث أو أربع أشهر قبل بدء العام الدراسي الحالي، صدرت من الوزارة قرارات للمديريات بتوفير الأراضي المناسبة لبناء المدارس وتجهيزها وتأثيثها بحيث تكون جاهزة لبدء استقبال الطلاب والدراسة بها مع العام الدراسي الحالي 2017/2018 .

فلنفترض أننا يمكننا النحت في الصخر وصنع المستحيل الثامن وهو تجهيز وبناء واستخراج تراخيص وإنهاء كافة الاجراءات اللازمة لبناء مدرسة حكومية – وأضع تحت حكومية مليون خط – وبدء الدراسة بها قبل بداية العام الدراسي بأربع أشهر تقريبا، كيف يمكن توفير  وتجهيز طاقم العمل بالمدرسة بالكامل في هذا الوقت الضيق خاصة مع تضارب الأنباء وتذبذب القرارات بموعد بدء الدراسة بها حتى بداية شهر سبتمبر الماضي. كيف يمكن اختيار المدرسين – والذين هم في الأساس معينون حكوميا – وفق اختبارات صعبة تجريها الوزارة لاختيارهم ، مع العلم أن الكثير منهم يرفض في الأساس فكرة العمل بها لأن يومها الدراسي ينتهي في الخامسة وهو أمر شاق جدا بالنسبة للمعلمات السيدات ، ويستحيل حدوثه بالنسبة للمعلمين الرجال حيث أن معظمهم لديه ارتباطات تعليمية في أماكن أخرى كما سبق ذكرها. وبالتالي فإن المتقدم للعمل بهذه المدارس قلة لا تذكر ومعظمهم غير ملائم للشروط. وبعد أن يتم اختيارهم ، كيف يمكن تدريبهم على النظام المدرسي الياباني الجديد والمناهج التي لا يعرف أحد حتى الآن كيف ستكون مختلفة عن مثيلاتها من التجريبيات التابعة للوزارة، في وقت أيضا قياسي مع النخبة اليابانية التي وفدت إلى مصر لتقوم بتدريبهم. ما الداعي لتلك العجلة في افتتاحها؟

لا تحاولوا تبرير تلك الكارثة بحاجتنا الشديدة لسرعة افتتاحها. يا سيدي أنا لا أنكر حاجتنا إليها ، لكن إن لم تتم على الوجه الأكمل فلا داعي لأن تبدأ مشوارها بمشاكل لا حصر لها.

طيب، لماذا لم يفكر المسؤولون عن بدائل لحل أزمة القبول بالمدارس التجريبية هذا العام نظرا لارتفاع أعداد المتقدمين لها؟ مثلا ، طالما أن الامكانيات تكاد تكون معدومة لإنشاء مدارس تجريبية جديدة، ما المانع بتحويل مدارس حكومية إلى تجريبية ، وتدريب طاقم العمل الفعلي بها على العمل بها دون الحاجة لعمل اختبارات وتدريبات لآخرين بمدارس أخرى والنتيجة غير مضمونة في نهاية المطاف؟

لابد من التعامل بذكاء مع المتاح لتوفير البديل المناسب الذي يكفل حق التعليم بكرامة للجميع وهذا أقل ما يمكن أن تقدمه الدولة لأبنائها.

المشاكل والتحديات لا حصر لها، ولا يمكن توفير حلول بين يوم وليلة. ولابد أن تكون هناك قرارات واعية من وحي الواقع تساندها قوانين صارمة تنفذ بيد من حديد. وإلا، إذا فقدنا إمكانية توفير تعليم ملائم وكريم ومكفول للأغلبية العظمى من أبناء الطبقة الكادحة، فقل السلامة على وطن الحضارات مهد العلماء والعظماء.

عن حسام ابو العلا

حسام ابو العلا

شاهد أيضاً

رحيم في الموسوعة العالمية السنوية لأشهر ١٠ ملحنين بالعالم

أدرج اسم الملحن الكبير محمد رحيم في الموسوعة العالمية السنوية لأشهر ١٠ ملحنين علي مستوي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *