الأحد , نوفمبر 17 2019
الرئيسية / نبض القلوب مع حسام أبو العلا / هدى الشرقاوي تكتب : بين الموت والحياة !!

هدى الشرقاوي تكتب : بين الموت والحياة !!

ذكرني حادث قطاري الموت المروع بموت محقق تعرضت له ولكنه لم يكن قطارا هذه المرة بل طائرة و حوادث الطائرات معروف عنها انه نادرا جدا ما ينجو منها أحد إلا إذا تدخلت يدا الله معلنة أن الأجل لم يوف بعد ولكن فكرة أن تظل عالقا بين السماء والأرض وبين الموت والحياة فكرة وتجربة تستحق التوقف عندها و تأملها .

كنت على متن إحدى الطائرات التابعة للخطوط الجوية البريطانية مع مجموعة من المعلمين المبعوثين الذين تم إيفادهم في بعثة دراسية إلى سكوتلاندا بعد أن كان مقررا لنا السفر إلى بلتيمور في الولايات المتحدة الأمريكية ولكن جاءت أحداث 11 سبتمبر بتغيير وجهتنا حيث أوقفت الولايات المتحدة البعثات الوافدة إليها لأسباب أمنية .

كانت الطائرة تقلنا من لندن إلى مدينة ادنبره عاصمة اسكوتلانده , أقلعت الطائرة بنجاح وكنت اجلس في مقعد بجوار الشباك و بجواري رجلا انجليزيا أربيعينا بارد الملامح والتعبيرات لم تمر لحظات بسيطة بعد إقلاع الطائرة إلا وجاءت إحدى المضيفات تشرح لنا ما يجب علينا القيام به في حالة تعرض الطائرة لأي خطر حيث كان هاجس 11 سبتمبر مسيطرا على جميع أوساط الطيران العالمية وكنا في بدايات 2002 .. بدأت المضيفة تتحدث ويصاحب حديثها اداءا تمثليا موضحة أن هناك “براشوتا” مخصصا لكل مقعد وأوضحت طريقة فتح المظلة والقفز إذا تعرضت الطائرة لأي خطر كان .. لا اعلم لماذا راودني شعورا بعدم الارتياح عند رؤيته تلك المضيفة وتمتمت طالبة الستر من المولى عز وجل ..

مرت دقائق معدودة ولفت نظري ذهاب مضيفاتا الطائرة وإيابهما في الطائرة ويبدو عليهما القلق والاضطراب ، بدأت انظر حولي وكانت الوجوه مرتبكة من حولي غير مدركة ماذا يحدث.. بدأت والركاب نشعر بحركات غير عادية وهرج ومرج بين طاقم الطائرة .. بدأ الركاب يفزعون ويتساءلون ماذا يحدث ؟ .. بدأت الطائرة تهتز عنف وبدأ الرعب يسيطر على الجميع, حاولت المضيفات تهدئتنا وإخبارنا أن كل شي على ما يرام وان الطائرة حدث بها عطل فني وأنهم سيتداركون الأمر وستعود الطائرة إلى المطار مجددا وتم إلغاء الرحلة.. أتي صوت من كابينة الطيار مطمئنا أن الطائرة ستعود أدراجها إلى المطار ..

كنت حاملا في شهري الثاني ورغم انه كان من شروط السفر عدم الحمل وتم إجراء التحليلات لإثبات ذلك وفعلا كان التحليل نظيفا وتشاء ارادة المولى أن احمل جنينا في أحشائي بعد إجراء التحليل النهائي بأيام .. علاوة على ذلك تركت ابني الأكبر لم يكمل عامه الثاني وتركت خلفي أبا وأما لا احتمل حزنهم على موتي ورحيلي فلم أدرك صعوبة فقد الأبناء إلا بعد إنجابي وازدياد خوفي على حياة ابني .. تساءلت كم سيعاني ابني بعد رحيلي ولو أن أمي وأبي سيعتنون به أفضل مني .. كل ذلك توارد إلى ذهني ودموعي لا تتوقف .

أدركت إنني ميتة لا محالة وليس بيني وبين قيامتي إلا لحظات وربما دقائق أو ثواني قليلة , نظرت حولي , رأيت الموت في العيون الحائرة المستنكرة لما يحدث .. نرى الموت يوميا حولنا ونعلم يقينا أنه الحقيقة الواحدة الملموسة على الأرض ولكننا بيننا وأنفسنا لا نتقبل فكرة انه سيدركنا يوما ما ربما يدركنا ولكن الأماني والتشبث بمتاع زائل يوهمنا ببعده عنا انه حقا موجودا قد يدرك جارنا او زميلا لنا قد نراه في نشرات الأخبار ولكنه بعيدا عنا.

يا الله ظننته بعيدا وهو اقرب لي مما ظننت قد يكون داخلي و بين جنباني أنا لا اعلم , بدأت اسمع نحيب بعض الرجال ممن ينتمون لبعثتي وتعالت أصوات نحيبهم والغريب ان الأجانب كانوا يتمتعون بثبات انفعالي ولم يكترثوا بأي نشئ وكانوا ينظرون لمن يبكون بغرابة ممزوجة بابتسامة واستخفاف .. يا الهي .. إنهم لا يأبهون للموت ؟

لم اتمالك نفسي ازدادت دقات قلبي واضطربت أنفاسي وتلاحقت بسرعة وإذا بنهر من الدموع ينساب من عيني .. ثوان قليلة وألقى الله سبحانه وتعالى .. لم اعرف بماذا سأجيب الملكين عندما يسألوني عن عمري فيما أفنيته ؟ هل سأخبرهم إنني لم اتوقع أن يكون اللقاء قريبا جدا إلى هذا الحد ؟!!! هل سيكون اعتقادي أن الحياة مازالت أمامي وأنني سأهرم مثل جدتي العجوز التي لا يشغلها غير الذكر والصلاة والصيام والتعبد  ؟!!! هل ستكون عندي الشجاعة الكافية لأطلب السماح والرحمة لأنني أفنيت عمري المنقضي إمام شاشة التلفاز وحفظ الأغاني والأفلام .

لم اظلم أحدا يوما ما لم اعتد على حقوق احد ولكنني قصرت في أداء الصلوات كنت أحيانا اجمعها او أؤخرها وكثيرا ما ضيعتها وأهملتها تكاسلا وتقصيرا .. كنت اعلم جيدا أهمية الصلاة في الإسلام وان من أقامها أقام الدين ومن هدمها هدمه ورغم ذلك كنت أتكاسل عنها واشعر رغم ذلك بتأنيب الضمير وعدم الارتياح وأصلي وانقطع وأؤخر واجمع وهكذا وأحيانا كثيرة أجلس مع الصديقات وكنا نغتاب الناس ونذكر عيوبهم وأحيانا نسخر من أشخاص معينة في مواقف معينة.

ماذا افعل الآن هل ينفعني الاستغفار وطلب العفو والمغفرة لم يكن أمامي خيارا آخر فبدأت استغفر وأتمتم ببعض الأذكار.

الموت أمامي يحاصرني من كل الجهات من فوقي وتحتي عن يميني وعن يساري , عالقة أنا بين السماء والأرض بين الحياة والموت والأدهى عالقة بين الجنة والنار , بين رضا الله وسخطه بين عفوه وتجاوزه وعقابه وغضبه ولكن قلبي كان عالقا بشي أرقى من كل هؤلاء .. اتحد قلبي وروحي اتحادا غريبا لم استشعره من قبل وإذا بي اردد ” لا اله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ” مرارا وتكرارا بدأت أخاطب الله عز وجل ملهوفة مستغيثة متوسلة راجية وطامعة في رحمته وكرمه وعفوه وحلمه .

يا الله يا ارحم الراحمين وأكرم الأكرمين من لي سواك الآن ؟ !!! يا وهاب هب لي عمرا جديدا وامنحني مزيدا من الوقت .. امنحني فرصة أخرى و لن أعصاك أبدا بعدها .. تبت وندمت عن كل ما فعلت واقترفت .. سأحيا للعبادة وسأواظب على الصلاة في أوقاتها وسأصلي ما فاتني من صلوات , لن أغتاب أحدا .

مرت تلك الدقائق القليلة جدا بمثابة شهور وقرون يتصارع فيها الدعاء الموجه إلى أبواب السماء وبين قضاء الله وقدره ليس رهبة للموت في حد ذاته لان الموت ليس النهاية فهو فقط بداية لحياة أبدية فشلت في التخطيط لها وتسويق الوصول إليها .. وإذا بمجيب المضطر يتقبل الدعاء وتعلن المضيفة إننا عدنا بنجاح إلى المطار وأن الطائرة على وشك الهبوط بسلام وتنفست الصعداء ووهبت الحياة من جديد وتم انزالنا من الطائرة بسلام لنجد العديد من سيارات الإسعاف ووحدات الإطفاء والشرطة والعديد من وسائل الإعلام  لنكتشف بعد ذلك أننا نجونا بأعجوبة حيث أن احد أجنحة الطائرة  كان يحترق.

 حمدت الله كثيرا على منحي فرصة أخرى وظللت فترة ليست بطويلة ملتزمة بعهدي مع الله ولكن بعد فترة نسيت تلك الواقعة ونسيت العهد الذي كنت قد أخذته على نفسي وعدت لحالتي البشرية .. أصيب أحيانا وأخطئ أحيانا اخرى واستغفر في كثير من الأحيان ولكن حسن ظني بالله لم ينقطع أبدا وعندما عدت الى ارض الوطن سالمة وقد نجوت من الموت وجدت أبي الذي رأيته للمرة الاخيرة أمام أبواب صالة مطار القاهرة قد رحل هو عن الدنيا وهو لم يكمل الخمسين من عمره ولكن قلبه كان متعلقا بالمساجد .

 

عن محمد فتحي الشريف

شاهد أيضاً

حسناء فؤاد تكتب : اسميتهُ بحراً !!

ولمحتهُ جالس أمام البحر كعادتهُ .. فى يدهِ فنجان قهوته محبوبته السمراءُ … حلاها بزيادة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.