الرئيسية / مقالات / الأديبة والناقدة سحر النحاس تكتب : قراءة في المجموعة القصصية “حكايات نساء بغداد والبصرة بين الألم والحسرة” للكاتبة نجاة صادق الجشعمى

الأديبة والناقدة سحر النحاس تكتب : قراءة في المجموعة القصصية “حكايات نساء بغداد والبصرة بين الألم والحسرة” للكاتبة نجاة صادق الجشعمى

 

 

 

 

 

أدب الحرب فى السرد القصصي واجهة للثقافة العراقية

الحرب همجية منظمة مهما حاولت التنكر  “نابليون بونابرت”

وفى الحرب تصمت القوانين “شيشرون”

لم يكن أدب الحرب بكل توصيفاته النقدية أدبا طارئا على الشعوب، فهذا أدب عالمي قديم لا يمكن تجاوز إنجازاته الفنية، وبيننا -حتى اليوم- أسماء كبيرة استخلصت رؤاها من الحرب ودمويتها وقسوتها وأخرجت شخصياتها القصصية والروائية من ذلك الجحيم الفظيع، وأمثلتنا كثيرة من الآداب الألمانية واليابانية والأميركية والعربية أيضا.

اليوم يعود أدب الحرب بقوة إلى واجهة الثقافة العراقية لكن من الباب السردي الروائي على وجه الخصوص والتميز، فوجود العشرات والمئات من الروايات التي صدرت منذ 2003 وحتى اليوم تشترك جميعها في هذا التصنيف الذي كان مرفوضا لأسباب أيديولوجية في ثمانينات القرن الماضي، كما لو أن الحرب اختلفت بين هذه وتلك، وأن وطنا ثانيا تم إنشاؤه بعد 2003 ليزداد عدد شهدائه ويتفوق على تلك الحقبة المضنية بلا شك.

“فى حكايات نساء بغداد والبصرة بين الندم والحسرة “تستهل الكاتبة أولى عتبات النص بعنوان كاشف للمتن بواقعية النصوص المسرودة والتى خلفتها الحروب الطاحنة ليس فقط بالغزو الغاشم للقوات الامريكية للعراق ولكن بما خلقته الفوضي وغياب السلطة، من تشيع وحزبية وفرقة فى النسيج الواحد لابناء الوطن الواحد، وصراع السلطة لتختتم استهلالها بأنها؛

اوجاع القلب والروح والذاكرة ..

نوارة تلك الام والمعلمة التى تعانى من فشل زيجتها وتعانى من صعوبة الحصول على علبة لبن لاطفالها، وسط جموع من البشر، مصطفون فى طوابير غفيرة، اختارت كرامتها وداست على حاجتها ومضت .

الغواية فن والسحر شر

وأنا ما بين الغواية والسحر

زهرة مبتلية بمكائد البشر

“زينو” ساحرة الغواية التى تعترض طريقها مرة بشكل شاب وسيم يقدم لها المساعدة، ومره بشيخ مسن بسيارته الفارهة، يدعوها لتوصيلها لبيتها ؛ وهكذا تتقلب وجوة الغواية لنفس رافضة للانحراف طارحة سؤال ختامي ..هل سأضطر للوقوف أمام التيار أم أصطدم بالتيار ويصطدم بي ويتحطم دون أن أنحرف؟

“جِنان” قصة العائلة التى كانت تعيش فى سلام، واغتيلت سعادتهم، وكانت ضحية لاستهتار قوات الغزو الامريكية التى قتلت الام وابنتها الرضيعة، وحرقت زوجها بدم بارد لمجرد عدم توقف سيارتهم أمام سرب المدرعات الامريكية .

“بهية” تلك المراة التى تتكسب قوتها من صناعة التماثيل وبيعها لعلاج ابنها بعد وفاة زوجها فى احد السجون وسفح دمة نتيجة صراعات عنصرية سنية، شيعية، داعشية، لا احد يعلم وتظل ملامح القاتل مشوشة فى ذاكرتها ؛ حتى يصدمها سيارته وتصدمها الحقيقة ؛ القاتل هونفسه الطبيب الذى يسكن جوارهم ويعالج الفقراء بالمجان . تطالبة بثمن التماثيل المحطمة، فيلقيها لها علي الارض  بعدما افزعه، تعرفها عليه.. تهرع لمنزلها لتفاجأ بانتحار ابنها بعد يأسه من العلاج .

تزاد حدة الاحداث فى قصة” حميدة”الخيانة والمكيدة  وتعدد الجنسيات والزيجات بين الايرانية والعراقية وتظهر الصراع العرقي جليا فى احداث دامية.

اللغة :  كانت فصحى سليمة وسلسة وبدون تقعر مع وجود بعض الهنات اللغوية  واستخدمت تقنية الراوى العليم فى معظم القصص وضمير المتكلم فى أحيان أخري واحتوت علي بعض الديلوجات االقصيرة  وبعض الكلمات باللهجة العراقية لدواعى الواقعية السردية .

استهلت الكاتبة معظم قصصها بأبيات نثرية خدمت النصوص فى مواضع كثيرة ولم يكن لها توظيف أو ضرورة فى البعض الاخر ، كما غلب على لغتها السردية الشعرية بوصفها شاعرة ولها أصدرات شعرية .

 الحبكات الدرامية:  تنوعت ما بين المحكم والاقل  احكاما  كقصة “قبيلة” مثلا  التى لم ارى فيها  حبكة درامية تقريبا والتى كانت عبارة عن ديالوج بين امراة ورجل قابلته على قارعة الطريق تسأله عن الحب ويرد عليها بان الحب البريء فى النور افضل من الحب فى السر وتنتهى بان تمضى الى طريقها  وهى تتمنى ان تعود مراهقة  لم ارى فيها سمات القصة القصيرة ولا مقوماتها او انتمائها الى متون النصوص.

تلتها قصة سوزان تلك الفتاة ذات السبعة عشر ربيعا التى شاهدت الغزو الامريكى فى قلب بغداد بينما المذياع يعلن اكاذيب عن انتصارات الجيش العراقى ضد المعتدى ليترك الفتاه فى حاله من الحيرة والخزى والاحباط  لم تصبها فقط ولكن اصابتنا جميعا كشعوب عربية عندما كما نتابع تلك الفاجعة على قنوات التلفاز.

ننتقل لقصة بسمة التى تحكى عن اسرة عراقية تم الابلاغ عنها بانها تختزن اسلحة وقنابل لتأتى الدوريات الامريكية وتنتهك حرمة البيت ومن فيه ولا تجد سوى بعض المقتنيات الخاصة بالعائلة  وصورة لابنتهم الشهيدة وهنا تظهر بشاعة المعتدى وهدرة لكرامة اهل البلد سواء رجال او نسوة او اطفال على حد سواء

ليلى قصة تحوى رمزية الحرية المتمثلة فى العصفور المحبوس فى القفص الذى يرنو ببصره خارج القفص طلبا فى الانطلاق بجناحية فى الفضاء  وتحدث المفارقة المفزعة حين سقطت صاحبتة قتيلة اثر غارة امريكية على سماء بغداد وحطمت القفص فأنطلق حرا طليقا شارعا جناجية فى الجو  فأصابته رصاصة أردته قتيلا هو الآخر.. فى اشارة ضمنية لبشاعة القتل العشوائي التى تأتى على الحياة بكل اشكالها

قصة “بلا اسم” تحكى عن اول يوم هجرة لمواطنه عراقية عن وطئها لبلد لم تالفه  استقبلتها ارض مصر قدوما من غربتها الى غربتها 

وتتوالى القصص دينا وماجده ونورهان الى اخر المجموعة..

 سته وستون قصة عنون اغلبها بأسماء ابطالها النسوية، ظهر فى العديد من القصص المأسى التى خلفتها الحرب الأهلية من تشيع وحزبية وقبلية، واثرذلك الصراع على الحياة المدنية والأفراد بشكل خاص وعام ،وايضا لبعض المهجرين إلى دول عربية او اجنبية وأرض لم يعتادوا العيش بها، وما تلي ذلك من تغير جذرى فى حياة كل منهم.

وفى النهاية نحن مع النماذج الأدبية الإنسانية الراقية التي توفّر الكثير من الفن والخيال وتأخذ من رصيد الواقع الكثير، وتعيد إنتاجه بطريقة سردية فيها من الفن الصارم أكثر مما فيها من ألم الواقع، ومتشابهاته الحربية، التي لا تنتهي ليبقى أدب الحرب -بهذه التسمية- أنموذجا رافق ويرافق أجيالا غير قليلة في الحياة الثقافية العراقية.

نشكر الكاتبة الدكتور نجاة صادق الجشعمى على هذه المجموعة التى تحمل هماَ انسانيا ،والتى خرجت من القلب لتصيب القلوب بالحسرة والندم ،على مأساة الانسان فى كل زمان ومكان، نتيجة الحروب والتعصبات العرقية التى تخدم من يملكون السلطة والنفوذ، ويدفع فاتورة ثمنها الباهظ، هؤلاء البشر الامنيين  فى شتى بقاع  الأرض من حياتهم واستقرارهم ومستقبلهم .

 

عن محمد فتحي الشريف

شاهد أيضاً

المفكر العربي الكبير على محمد الشرفاء الحمادي يكتب ..الماء أساس الحياة

إن الدوافع الخفية التى تشجع إثيوبيا لتتخذ موقفا متعنتا وتتجاهل أن الماء عطاء من الله، …