الرئيسية / مقالات / الحقيقة والخيـال (الجزء الثانى) .. جدلية المعرفة بقلم الدكتور مصطفى عابد

الحقيقة والخيـال (الجزء الثانى) .. جدلية المعرفة بقلم الدكتور مصطفى عابد

                             أولا: صلة الحقيقة بالخيال

– بين النور والظلام منطقة متدرجة فى التباين من حقائق وظلال ، وخيالات وظنون وأوهام .. حسب الاقتراب من النور أو الابتعاد عنه”الاغتراب”!!   ولعل فى ظاهرة الظل وأحوال أبعاده وسباقه مع الحقائق التى يدل عليها ، اشارات بـل وأمارات على حال الانسان المعرفى وموقعه بين النور والظلام  بالدلالة الواسعة لهما الى ماتتسع له أوتحتمله كلمة النور من معان ( نور حسى مشاهد أو نور علم أو نور هداية) … وكذا مايتضمنه نقيضه الظلام من دلالات (كليل أوعشى أو جهل) … الخ.

–  فلا ينفك اذن خيال عن حقيقة هو ظل لها أودال عليها .. وان استعصى استظهـار ذلك فى البعض من الفروض أو التثبت منه !!   وحتى ان شذ الخيال وجنح عن أى منطق للحقيقة كما فى الخرافات والشعوذة والأساطير .. فان مثل هذا الخيال (بريئا كان أم متجنيا) مصدره انسان .. تلكم حقيقة فى حد ذاتها !! تنبئ عن قدرة الانسان على انتاج الخيال .. أو بالأقل استيعابه فى داخله . 

        ثانيا: تأملات فى الحقيقة  (الحقيقة فى أعيننا)

– أى فى أعيننا أنا وأنت أيها الانسان حيثما كنت و كان  الزمان أو المكان، الانسان المتواضع الذى لايدعى معرفة مادية أو فوق مادية “غيوب الظواهر والأحداث”.. كيف يراها اذن ؟!  تجده أو تجدنا نستعملها للدلالة عن الخبر الصادق(أى الصدق) كما لوسأل الأب ولده أوالقاضى شاهدا فانه يريد منه أن يعرف الحقيقة أى الاخبار الصادق .. لكن حمل الاخبار على الصدق واتخاذه كحقيقة لايكفى فى بعض الاحيان ولو اشتهر عمن جاء بالخبر الصدق .. مالم يقدم الدليل والبرهان !!    وامثلة ذلك حولنا كثيرة منها : مايتوجب على الخصوم من تقديم الأدلة على صحـة ادعاءاتهم المتقابلة فى الخصومة .. ومايتعين أيضا على العلماء من التدليل على النتائج التى انتهوا اليها أو ماصاغوه من نظريات علمية .

–  لكن يثور السؤال .. هل يقبل خبر أو يناقش دليل فى شأن حقيقة ليس فى مقـدور البشر ادراكها ؟!  ان أجبنا بالنفى لما استمع الى نبى أورسول (صلوات ربى عليهم أجمعين) .. وان قبلنا ذلك – عـلى اطـلاقه – لأضعنا أوقاتنا مع سفهاء أو جانحين أو مدعين مضلين ..  لذا ينبغى اكمال السؤال السابق على النحو التالى .. ممـن يقبــل ذلك ؟ وماهى حدوده وضوابطه ؟!

هنا بحكم اللزوم ننتقل الى طرح جدلى فلسفى للحقيقة ، بمشاركة أدبية فحسب وكذا تأملية فى البعض من الأنظار الفلسفية ذات الصلة.. دون ادعاء تقعيد أو تنظير أو تحليل متخصص أولى به أهله.

                       ثالثا:الحقيقة حاجة انسانية “مصيرية”

– لينظر المرء منا بين ثنايا أوراقه فى عبارات قد ساقها .. أو أخرى لغيره فى كتـب قرأها ؟!  كم علامة استفهام أو تعجب سطرها ؟!  وكم أخفى منها وسترها ؟!   وكم غاب عنه منها فأغفلها ؟! وكم سيق له منها فتأملها ؟!  وأخيرا .. كم حذف منها أو أبقى ؟!!

– وضعها المتأملون فى كون ربهم بحثا عن معرفة أو هدى (رسما أم تصورا) .. كم لازمــت عالم فى معمله أو عامل فى مصنعه أو باحث حائر فى فكره سـعيا الى حــل أوبحــثا عن حجة ، وكم استخدمت فى لوحة فنان بتعبير ورمز .    

–  فهى أى علامات الترقيم(استفهامية أم تعجبية أومافى حكمهما)- بمثابة شواهـد على طلب المعرفة لدى بنى البشر .    لكن ذلك ليس قصرا على كل من حمل أقلامــا وأوراقا أو ريشا وأحبارا ..  فمن من البشر  ؟ عالمهم أو جاهلهم  لم ترهقه شواغل وألغاز يقضى نهارعمره وليله  فكرا فى تفسيرها ؟!

– وهى – أى الحقيقة – حاجة  دائمة تلازم الانسان عـبر مسيرته الحياتيه ، تغازلـه فيصبو اليها ، ويثور على واقعه ليبحث فى كونه الذى يعيشه أو يعيش فى داخله أو خارجهما عن جمال أبهى ومقام أسمى ..هذا هو الانسان .   أوربما سعيا الى سعادة وهمية شاذة أوقاصرة .. وهذا أيضا هو الانسان ؟!!        

– هى الأرقى بالنسبة لحاجات الانسان الأخرى والأشقى له فى ذات الوقت .. فهــى اذن المصير بالنسبة للأنسان الذى اخـتار أن يحمل الأمانة ..وقـد حملها !! فاحتار فى أمرها !!  

       – أنظر قول المولى عز وجل :“إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَـلُومًا جَـهُولًا” . الآيـة (72)  سورة الأحزاب .   

– وهنا يمكن ترشيح العقل للدلالة على الأمانة فهو يقود مسيرته ويكمن فيه اختياره وهو مايتسع له ويحتمله تفاسير العلماء ضمن معان أخرى قد وضعوها للأمانة وان لم ينفصل عنها العقل .. فقد قيل أنها – أى الأمانة- أداء الفرائض ، أيضا الانقياد الى الدين ، وكذا التوحيد ، وحفظ الفرج ، وانتفاء الغش فى العمل ،  وقيل أيضا خلافـة الله فى الأرض) .   تفسير الطبرى صفحة 427

                        رابعا: الحقيقة فى عيون الفلاسفة

(تشخيص وتلخيص)

– بين أقلام متراشقة ومصطلحات شائكة ، قد تنوعت أنظار الفلاسفة فى الحقيقة أو تباينت فلسفة الحقيقة .. وتبعا دلالاتها !!  واذ يبـدو ذلك جليا من المصطلحات المستعملة لدى الفلاسفة وصفا للوجود وتحديدا للمنهج المتبع .

– مثل هذه المصطلحات : الأنطولوجيا  ،  الأبستمولوجيا  ،  الفينومين ، النومين .. واذ يعود مصطلح الأنطولوجية Ontologyإلى أصل يوناني من كلمة onto وتعني الوجود وlogi أي العلم الى الوجود ويهدف الى تجريد هذا الوجود المادى لاكتشاف طبيعة الوجود اللامادى فى القضايا الميتافيزيقية ..

(بكري علاء الدين، سوسن البيطار- الموسوعة العربية Arab Encyclopedia www.arab-ency.com/ar/البحوث/الأنطولوجية ،  الحقيقة والواقع عند الفلاسفة  – مدونة الحداثة وبعد الحداثة  https://modernitysite.wordpress.com/2015/12/2 ) 

– أما (الإبستمولوجيا) Epistemolog   هى كلمة مؤلفة من كلمتين يونانيتين هما episteme بمعنى علم و logosبمعنى : حديث او علم او نقد ، دراسة ويطلق هذا المصطلح  للدلالة على الدراسة النقدية لمبادئ مختلف العلوم وفرضياتها ونتائجها بغية تحديد أصلها المنطقي(لا النفسي) وقيمتها ومداها الموضوعي .

(بحث حول الإبستمولوجيا و بعض مسائلها قسم العلوم السياسية سطيف  منشور 24/11/2014 . www.pronaturepronature.cm ، أيضاغدير شمس الدين – تعريف الابستمولوجيا   19/1/ 2016 . http://mawdoo3.com)

 بينما تنصرف دلالة المصطلح الفلسفى الثالث الفينومين phénoménogie الى  دراسة الوجود فى ظاهره دون النفاذ الى باطنه والبحث عن علله ومبادئه الأولى  الأولى أو رصد الأمور المجردة التى توجد فيما وراء الطبيعة .. ويطلق على هذا الاتجاه الفلسفة الظاهراتية ، ومؤسسها الفيلسوف الألمانى (ادموند هوسرل) .

(د.جمال حمداوى- الفلسفة الظاهرية بين الفينومين والنومين-  http://www.almothaqaf.com)

وعلى النقيض أو فى مقابل التعبير الاصطلاحى الفلسفى السابق (الفيمونين) تكون دلالة مصطلح (النومين) حيث يشيرالى كل مايجاوز التجربة والادراك ، فهو حقيقة مجردة من مسلمات العقل العملى (كانط) .

( المعجم الفلسفي. القاهرة: الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميريّة 1983، النومين (Noumène)مقال منشور بتاريخ 5/11/2014 –قسم التحرير  http://www.mominoun.com/articles)

 – واذ تعكس المصطلحات السابقة المواقف الفكرية المختلفة للفلاسفة عن الوجـــود أو حقيقة الوجود أو بتعبيراكثر وضوحا”الحقيقة”،اما فى واقع مشهود “تجريبى” قابل للادراك الحسى ، واما تعلية  أوارتقاء عن عالم الحس ، واما من خلال تصـور عقلى واع لاتصاله بواقع يدركه واما منفصل عنه .

  وباستعراض البعض من مواقف الفلاسفة فى شأن هذه الجدلية – أى حول تحديد مدلول الحقيقة .. تجدها(الحقيقة) فى أعين البعض منهم (أفلاطون) تتجسد فى عالم المثال وحده أى خارج نطاق الواقع الذى نعايشه ، فهو- أى الواقع -لايعدو أن يكون خيالا يجب التجرد منه كشرط لبلوغ الحقيقة حيث عالم المثل . 

بينما تكمن الحقيقة عند (أرسطو) فى جوهر الواقع أو ماهيته ، فهى (الحقيقة) يسبرغورها انطلاقا من العالم المادى فى الواقع وصوره ،  ثم بالتجرد “الحسى” عن هذا العالم وصولا الى ماهيته وجوهره حيث تسكن الحقيقة – اذا صح منا التعبير .

وان اختلفا فى المقدمات( وجود الواقع – زيفه) فان الاتجاهين السابقين قد التقيا فى أن التجرد الحسى – وهو مايفهم منه الخلاص من عالم الحس أو الارتقاء عنه – هو مطية بلوغ الحقيقة .

– ولكن اتجاها فلسفيا مغايرا  لايقر بأى وجود للحقيقة فى الواقع(ديكارت) وانما فى الفكر ،  فهى(الحقيقة)- وفقا لهذا النظر-  عبارة عن بناء عقلي ..  فالحقيقة نجدهـا حيث ينتهى الشك ..كما فى المسلمات والبديهيات .    

  ويناقض هذا تماما ماانتهجه الفيلسوف (ادموند هورسل) الذى أسس نظريته” الفيمونولوجية “أو”الظاهرية ” phenoénolgie وهى كما يبدو من اسمها تعنى بالوجود كحقيقة فى ظـاهره دون النفاذ الى باطنه وعمقه وفق منهج علمى دقيق وصارم .

– وثمة اتجاه آخر أجده وصيفا أووسيطا لسابقيه للفيلسوف الألمانى (هيدجر) يرى أن الحقيقة لا تكون جاهزة أو حاضرة فى الواقع أو الفكر على استقلال ، وانما فـى تفاعل “دياليكتيكى” بينهما أى باعمال العقل فى التجارب المشاهدة .

( الحقيقة والواقع عند الفلاسفة – مدونة الحداثة ومابعد الحداثة Modernité et la post-modernisme / modernityside.wordpress.com25/12/2015)

       خامسا: ليسوا أنبياء أو رسل ولكنهم مصلحون

– مع كامل تقديرنا لمن سبقونا من البشر من فلاسفة وحكماء ممـن تركوا لنا ارثـــا حضاريا  يتضمن مجهودا بشريا مضنيا فى سعى حثيث وعناء مرير من أجل اجتياز سحب العقول وحجب المدارك الحسية محاولة ولوج سماء الحقيقة – عنـد مـن اتخذ منهم ذلك وجهة ومذهبا – بقصد اصباغ القيم الفوقية  على ماقدموه من مثل وحكــم وأفكار اصلاحية اجتماعية وفردية .

– ولكن أيا منهم لم يزعم أنه قدم دينا وأو أنه يحمل رسالة سماوية  ، كما أن أحدهم لم يخرج على البشرية بمعجزات أوآيات أو أية نبوءات على غرار أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم  أجمعين ، وهو ما يدفع ترهات وشطحات قيلت من قبــل وان تجاوزها الزمن وتكفل مشايخنا الاجلاء وعلماء الأديان السماوية- بوجه عام – بالتصدى اليها وتنفنيدها ، فوجبت الاشارة فحسب .

( فى تفصيل لهذه المسألة – الشيخ د. خالد بن عبدالرحمن الشايع فى مقاله المنشور بجريدة الحياة المؤرخ  2/2/2013 مقال بجريدة الحياة بعنوان فلاسفة… أم رسل؟ للكاتب فهد الزغيبي، في عدد يوم الخميس 17 يناير 2013  http://www.alukah.net/web/khalidshaya/0/50004/#ixzz5GVFoeSUn)

–  وتبقى الحقيقة هى أن الانسان وقد استخلفه الله فى الأرض فألهمه علوم عمارهـا واكتشاف قوانينها فصاغ نظريات علمية..فأجرى أبحاثا  علمية وتجارب معملية فـى موجودات الكون المادية التى هو جزء منها .. فكـان علم التشريح والعلــوم الطبيــة وكــذا احكام أوزان المعادلات الكيميائية .. واكتشـاف القوانين الفيزيائية والنظريات والعملـيات الحسابية والهندسية وغيرها .. فضلا عن أسس النظم الاجتماعية .     

 – أمايتجاوز العالم المنظور بظاهرة أو بمعارفه المكتشفة  المسمى فلسفيا ميتافيزيقا أو ماوراء الطبيعة أو مانعرفه أهل الأديان السماوية بأنه غيب لايطلع الله عليه أحدا من خلقه الا من ارتضى.   

  وأحسب أن هؤلاء الفلاسفة والمفكرين لو أنهم التقوا أمناء الغيب من أنبياء ومرسلين لكانوا أول الساجدين والمسلمين  أو كان حريا بهم ذلك ، لخروجهم من تيه معرفة لا خبر يؤتى عنها الا من السماء كمجازمقصده رب السماء والأرض .

“عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا(26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُـوا رِسَـالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَـاطَ بِمَا لَدَيْهِـمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28)” . سورة الجن .

“وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ”.    سورة الأنعام الآية 59 .

“وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون” . سورة هود الآية 129.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن محمد فتحي الشريف

شاهد أيضاً

المفكر العربي الكبير على محمد الشرفاء الحمادي يكتب ..الماء أساس الحياة

إن الدوافع الخفية التى تشجع إثيوبيا لتتخذ موقفا متعنتا وتتجاهل أن الماء عطاء من الله، …