الرئيسية / منوعات / القيم الوجودية في مجموعة “النار” لأحمد قاصد كريم  .. ورقة نقدية د. سحر شريف

القيم الوجودية في مجموعة “النار” لأحمد قاصد كريم  .. ورقة نقدية د. سحر شريف

 

تمر القصة القصيرة الأن بأزمة جعلت القراء يتساءلون عن ماهيتها، وعن دورها الممكن في عالم يتسم بالسيولة، وتهيمن عليه اتصال واسعة متجددة مدهشة، خاصة شبكة الانترنت التي تسهل وصولها للقراء.

ومتابعو هذا الفن من الدارسين و المبدعين يدركون مراوغة هذا النوع و مرونته التي تجعل من تعريفه أمراً بالغ الصعوبة، فما الذي يكسب نصاً ما صفة القصة القصيرة؟

سؤال لا نجد له إجابة شافية، فأنت اليوم عندما تقبل على قراءة نص قصير تشعر بالغموض الدائم والنقص، فهي (أي القصة القصيرة) لا تقول أبداً ما تريد أن تقوله، وكأنها أصبحت الآن فناً لا يقول إلا من خلا مساحة من الصمت والإخفاء.

هي فن يجسد العجز عن فهم العالم، والرعب من التباسه وأتساعه واستعصائه عن الفهم، قد تبلور الأسئلة وتطرحها لكنها أبداً لا تجيب عنها.

وهي بطبيعتها فن لا يملك ترف الثرثرة والإفصاح و التفاصيل.

تقدم القصة القصيرة صورة فنية خاصة للعالم تستخدم التركيز والتكثيف والتوتر، لعزل نقطة واحدة مغلقة من الواقع.

رغم هذا فإنها تحاكي الواقع وتتكئ في أحيان كثيرة على الإيهام بهذه المشابهة.

تحولت القصة القصيرة إلى نصوص مفتوحة وغير مكتملة، بعد أن كانت نصوصاً مستقلة و مكتفية بذاتها.

لم تعد القصة القصيرة تحكي قصة، لقد أصبحت نصاً قلقاً متردداً مشطوراً منقسماً على ذاته.

وكأن هذا القلق قد أصبح مطلباً يسعى إليه الكتاب في عالم مليء بالمتاعب والشقاء.

يجرنا هذا الحديث إلى مجموعة (النار) لأحمد قاصد، فنصوصها تتسلح بالرمز الذي يخفي وراءه فلسفة ما، ورؤية للعالم يمكن القول أنها رؤية قاتمة متشائمة.

وللوهلة الأولى يطالعنا عنوان المجموعة (النار) وهو عنوان لافت موح، اختير عن عمد وقصد من المؤلف الذي يعي أن العنوان في العمل الأدبي منجم من الأسئلة يحفز القراء على خوض غمار الألغاز القرائية، فهو بحد ذاته نص يوازي نصه الأصلي ويصاحبه، (العنوان رسالة إلى القارئ من المؤلف).

النار تثير تداعيات الحريق والخوف، والقداسة عند بعض الشعوب والعقاب الإلهي والمعرفة (بروميثيوس) والانصهار والكشف عن المعادن، والغضب والثورة.

أما الإهداء فهو كلمة واحدة، (إليهم)، مفردة محيرة تختبر ذكاء القارئ، من هم؟ ، لن يجيب عنها إلا بعد أن يفرغ من القراءة، وقد يعرفهم وقد لا يعرفهم.

وإذا مررت عزيزي القارئ بعناوين القصص في المجموعة، ستجد خيطًا شعورياً نابعاً من حقل دلالي واحد يربط قصصها على اختلاف موضوعاتها، هذا الخيط هو التمرد الوجودي، الغضبة، النار، كونشيرتو، السور، التوهة، الباب، من بعيد، الحزن، جذام، الجرف، غمة، شهوة، التل، حتى سيما أونطة التي تعني احباط أيضاً.

عناوين رافضة، ساخطة، حزينة، قلقة، تحمل رموزاً تبحث عن تأويل عند قارئ ذكي فطن.

اختار أحمد قاصد أن يفتتح مجموعته بقصة (الغضبة) وليست (النار) التي تحمل عنوان المجموعة.

وفي هذه القصة يروي الراوي العليم المسيطر على الحالة المسرودة، المتحكم في خيوط لعبة السرد؛ حكاية غريبة عن شخص يسير ليلاً في ليلة رأس السنة حيث يحتفل الناس بإلقاء الأشياء القديمة وتهشيم ما يريدون من الشرفات، خلت الساحة إلا منه، بدأت قذائف الناس تلاحقه، لكنه لم يكن مبالياً ولا مكترثاً بضرباتهم مما أثار غضبهم.

(كانت أكوام الذخيرة قاربت على النفاذ، فتسلل الحانق إلى الغرفة وجر الشجرة وخرج بها إلى الشرفة وسددها بحذق إلى رأس الرجل….. لم يرفع الرجل رأسه إلى أعلى رغم افتراشه الأرض عدة مرات… يلاحقه على أوتارها كل مفردات الحفلة والأثاث الذي يحملها …..تحولت بوادر الغضب إلى حنق اعمى استشرى في رؤوس المتحلقين بالشرفة الذين بدأوا في تحطيم جدران الشقة ورمايتها في أتجاه رأس الرجل المنكسة… توالت الاصابات في جسد الرجل… انسالت دماؤه تغطي وجهه… بدأت أقدامه تترنح من إصابة مباشرة من قطعة خرسانة مسلحة)

اما النهاية المبهمة المثيرة للتساؤل فهي كالتالي:

(أغلق الجميع الشرفة خلفهم في هدوء وبدأوا في البحث معاطفهم استعداداً للرحيل، بينما افترش جسد الرجل عرض الطريق، وعيناه معلقتان بتلك النقطة البعيدة في الأفق المظلم) ص 6، 7 المجموعة)

وفي قصة (الغضبة 2)

نمضي مع البطل الذي اتخذ صفه هنا هذه المرة، وهي (الوحيد)، افتتح بها المؤلف قصته (الوحيد لا يزال وحيداً وإن تعلقت في اذياله عائلة صغيرة أعاقت كثيراً تدفقه)

(الوحيد لا يزال وحيداً وإن ازدحم عقله بألاف الخبرات الجديدة) المجموعة ص 24

(من وقت قريب، أسر لمن حوله أن النقطة البعيدة قد اقتربت، هي أم هو لا يدري، … (ساعة احتضاره هذه المرة كانت طويلة وعلى فراشه، كان مطمئناً ويبدو سعيداً… حاولوا عدة مرات إسبال جفونه إلا أنها كانت في كل مرة تفتح، بداخلها العينان معلقتان ليست بالروح الصاعدة، إنما بتلك النقطة البعيدة) المجموعة ص 25

تضاعف النهاية المبهمة من حيرة القارئ، لكننا لا نملك إلا أن نعيد النظر مرة أخرى محاولين التأويل، لنجد القصة تحفل بقيم وجودية تشير إليها كلمة (الوحيد)، المغترب عن أهله ومجتمعه، الذي تتوق روحه إلى مكان بعيد عن العالم المأفون، مهربه هو تلك النقطة السماوية البعيدة التي لم يدركها إلا بالموت، الموت، تلك القيمة التي يعلي الوجوديون من شأنها بوصفها الحقيقة الوحيدة في الحياة، ولكونها الراحة الأبدية من حياة فرضت على الإنسان الذي لم يختر أن يولد ليعاني الشقاء على الأرض.

أما قصة (النار) التي حملت المجموعة عنوانها، فتحفل بالرمز المتكئ على الواقع، حيث أجتمع أهل الحي القديم وأضرموا ناراً عظيمة، استجابة لرغبة مكبوتة اختلفوا في تحديد أسبابها.

قصة (النار) مليئة بالتفاصيل والأحداث الصغيرة وقد أنهاها المؤلف بقوله، (ظلت النار مشتعلة ، يؤمها العشرات والمئات لأيام طويلة، محتفلين ببقائها، وعندما انتقلت أخبار فشل حملتي القضاء على النار إلى باقي المدينة، جاءتها الوفود محملة بالهدايا من أخشاب الأحياء المجاورة لتزداد تأججا وارتفاعا حتى صارت مقصد الجميع في المدينة، فالنار للجميع.)

هنا انتهى النص القصصي، لكن المؤلف يفاجئنا بتقرير إخباري تعليقاً وتقييماً لتجربة النار العظيمة في خسة نقاط أو أسباب، هنا أجتمع الخبر والصورة القصصية في بنية فنية واحدة، إلا أن الحدث قد أخذ ملامح الصورة، وأخذت الصورة ملامح الحدث، فلم تعد الصورة ساكنة ولم يعد الحدث منطقياً متتابعاً،.

وتتنبأ النار بالثورة وأحداثها قبل زمن من حدوثها، ولكن في صور قصصية ساخرة تعبر عن إحباط كاتبها، ولا يخفى علينا أن الإحباط من أهم القيم الوجودية.

في قصة (سيما أونطة) لا تمتلك أيها القارئ غلا أن تشعر بالاختناق وأنت تتابع بطاً مأزومًا وهو بطل الفيلم الذي يشاهد فيلمه في دار العرض، إنه يختنق حيث تطبق عليه الحوائط الصماء تماماً خلفه الهوة التي بذل لتخطيها جهداً كبيراً مازالت فاغرة فاها لتبتلعه إذا أراد التراجع، والمشاهدون بدأت ملامحهم تشي بالضجر وهو لا يدري ماذا يفعل.

أنت أمام حالة من الضياع بين الوعي والا وعي، بين أنسان يبحث عن دور حقيقي في مجتمع ظالم فلا يجد (ربما يظهر له أي شيء يصنع له قفزة درامية لتخلق له فرصة للنجاة فهو حتى الآن لم يجابه أي قوى ولم يدخل أي صراع….) المجموعة ص 40

وفي النهاية، ينصرف الجميع من دار العرض، ويبقى هو وحده تماماً.

قصة (الباب) احتفى بها المؤلف حتى إنه وضعها على الغلاف الخلفي، (لو كانت هذه الغرفة سفينة تغرق، والباب هو قارب النجاة، الباب كما تعلمون ضيق لن يمر منه سوى فردين، فهيا نكتب، كل في ورقة من الوحيد في هذا الجمع الباسم الذي ستأخذ بيده معك عبر الباب.

تلون البحر الهادئ بالرمادي ثم بالأسود وهاج واشتدت الريح وأرتفع الصراخ.

في الصباح، وجد الجميع ملقين على الشاطئ موتى بينما يطفو الباب وحده في البحر الهادئ)

. تشير إلى مادية هذا العالم وانانية الجميع لأنهم سيتصارعون على النجاة من الباب الضيق، وسيضيعون فرصة النجاة، فيموتون جميعاً محققين قيمة وجودية يلح عليها المؤلف وهي الموت إما نشداناً للراحة وإما على أثر صراع دام.

تمثل المعاناة الوجودية في قصص المجموعة حتى القصيرة جداً، وقد لجأ إلى الرموز في كتابته ليخدم التكثيف في اللغة والايجاز الذي يتيح لهذه القصص اتساعاً دلالياً وفضاء واسعاً في التلقي، وهو يختزل العبارة ليضمن توهج الأفكار واشتعال المعاني في نفوس القراء.

ولقد نجح المؤلف في توظيف رمز الحيوان توظيفاً رمزياً يتوائم ورؤيته الفلسفية، مانحاً عملية التلقي ثراءً تأويلياً، إذ يفتح الباب على مصرعيه أمام القراء ليفسروا ما شاء لهم التفسير، بلور كل هذا في قالب محكم ينتهي دائماً بالمفارقة الساخرة من غفلة الإنسان الذي رمز له بالحيوان، وصراعه ضد قوى مختلفة تفوق قدرته على الاحتمال.

(تسع قصص كرتونية..

1 – الكلب الحائر

كان حدث، وقت أن رؤى كلب يعدو خلف أحد اللصوص، أخرج المطارد من جعبته قطعة لحم وألقاها في الطريق، توقف الكلب أمامها ولم يقربها وأيضا لم يعاود مطاردة اللص، ظل الكلب هكذا حائراً حتى أدركه الموت.

2- الثور الفحل

أكترى عمدة أحد الكفور،(ثور) فلاح أشتهر بفحولته كي يلقح قطيعه الشائع، بعد دخول الفلاح وثوره دار العمدة بعدة أشهر، فتن العمدة بتكاثر زينة حياته الدنيا، وفي الناحية الاخرى من الكفر، أشتكى قطيع الفلاح ونباتاته من الهجر.

3- الأفعى المطيعة

حذرت الأم بناتها من الأفعى، ونبهتهن على ضرورة تغطية الماجور.

امتثلت الافعى للدعوة، فتركت خلفها على مضض، فرخاً شارداً، جرذاً معلوفاً، وبرج حمام كامل، لتبخ ما تكون فوق نابيها من سموم في الماجور.

4- ملك الغابة

اكتشف الأسد ( ملك الغابة ) مدخل اللحوم الطازجة لمحل الوجبات السريعة الذي أقيم على حواف غابته، لما عرف المالك ما فعله الملك، فأتفق معه على تزويده باللحوم الطازجة من حيوانات الغابة، علي أن يقبع طيلة النهار في قفص أمام المحل يداعب أطفال رواده .

وافق الأسد على العرض المغري و وقع على ذلك حتى بغير استفتاء رعيته.

5- الأرنب الفتي

وقف الأرنب الفتي بجوار السلحفاة الناعسة على خط بداية السباق يتوهج في رأسه ما حدث للأرنب الأخر قبلاً، بمجرد أن أعطى الأذن أنطلق يعدو بأقصى ما لديه من قوة، وعند تخطيه خط النهاية، لم يجد بهجة الانتصار وصيحاتها تنتظره، فسكن جالساً مع الجميع ينتظر السلحفاة التي ما أن وصلت بعد عدة أيام، كانت الجائزة الخاصة في انتظارها وصيحات الجماهير تهنئها على شرف المحاولة.

6- الثعالب الماكرة

خرجت الثعالب من أوكارها عصرا  تبحث عن فريسة تمكر بها، لكنها عند عودتها مع الليل جوعى وقد استنفذت كل حيلها، أدركت أن العصر ليس الوقت المناسب للفرص السانحة.

buy aloprim. 7- الشاة الساهية

فجأة، تذكرت الاسم الذى كانت تبحث عنه في ذاكرتها، رغم هذا لم تستطع الصراخ به وهي في معدة الضبع.

8- القرد الزعيم

بعد أن أسكرته زعامة فصيله، أعلن زعيم القرود من فوق شجرته العالية، ملكيته لكل أشجار الغابة، تبسم الليث وأشار للجرذان بالعبث في جذور شجرة الزعيم، بينما بدأ في أرسال أشباله لدعوة ليوث الغابات المجاورة لوليمة شهية من لحم القرود.

9- الحمل الشاب

عندما تقدمت بلدوزرات شركة الأخشاب تجتاح الغابة، لم يجد الذئب ما يفعله سوى قبول وظيفة عامل بسيط تحت أمرة الحمل الشاب، الذي قررت أمه الشاة أرساله للمدينة ليتعلم بعد مواجهة ليلية مع الذئب فقدت فيها زوجها.)

تميزت قصص المجموعة بنوعيها القصيرة والقصيرة جداً بالتكثيف النفسي الذي يتناسب والقيم الوجودية التي تنبع منها، هذا وقد برز السمت الوجودي في تجهيل الشخصيات التي لا تحمل أسماء ولا تحمل صفات شكلية، إنما كان التركيز على الناحية النفسية، فهي شخصيات ورقية باهتة، تمثل أنساناً وجودياً تائهاً ضائعاً في زمن قبيح انهارت فيه كل القيم النبيلة.

وبعد.. كانت هذه جولة متعجلة في مجموعة (النار) لمؤلف صاحب فكر ورأي، لكنه مراوغ في خطابه السردي المخاتل.

***********************************

* د. سحر شريف

أستاذ الأدب والنقد بقسم اللغة العربية

 جامعة الاسكندرية

 

عن محمد فتحي الشريف

شاهد أيضاً

عبد الحافظ القيسي – قصة بومضة “

كتبت هدي العيسوي تطورت وسائل التواصل الاجتماعي، وأزدادَ معّها النقاد والمحللين والكتاب، وأصبح الجمهور حائراً …