الرئيسية / مقالات / الهروب من التابوت بقلم : مدحت شنن

الهروب من التابوت بقلم : مدحت شنن

 

 

 

الفقر ليس عيباً, ولكن الجريمة أن نقبع في بئر التخلف . وللتخلف مظاهر مازالت تقيدنا وتحرمنا الهواء العليل, أهمها تفشي الفقر بين فئة غير محدودة, بسبب البطالة وانعدام فرص العمل, وضعف الاستثمار وسيطرة فئة قليلة على خيرات الوطن فاستشرت الطبقية واتسعت الفجوة بين الناس. ومما زاد الطين بله سوء استغلال وإدارة موارد الدولة بسبب الفساد وإسناد الأمر لغير أهله من عناصر تفتقر لأبجديات الإدارة السليمة, فتبع الفقر ظواهر مرعبة يكفي أن نذكر منها تجارة الأعضاء البشرية وخطف الأطفال وقتلهم. ولم يفلت المستوى الثقافي من فيروس التخلف بل ظهر تدنيه جلياً من خلال ضحالة الوعي والإدراك لكثير من الأمور والجوانب الحياتية, بسبب ضعف التعليم وانتشار الجهل وتفشي الأفكار والموروثات الاجتماعية الخاطئة التي افترست نجوعنا وقرانا النائية وسيطرت عليها حتى النخاع.

حتى الخدمات الصحية مازالت تعاني فصارت مستشفياتنا تمثل قبوراً لزوارها, لعجز الإمكانيات من حيث الأجهزة والعقاقير, وافتقادها للعنصر البشري المدرب على التعامل الإنساني قبل التعامل الطبي مع المريض. ومازال تدني مستوي التعليم سيداً للموقف وتعاظمت تبعاته تستنزف طاقتنا, وتفرز لنا عقولاً مسخاً تحفظ ولا تفهم, تردد الكلمات كالببغاوات دون أن تدري معناها, وأصبحت ظاهرة التشرد من المدارس وعمالة الأطفال, واضحة لكل مبصر أو حتى أعمى لديه إحساس.

ومازالت قنبلة العشوائيات وكارثة ضعف الخدمات ومأساة اهتراء المرافق وابتلاء ضيق الأفق, ظواهر تغذي شبح التخلف وتبصق على المعنيين ليل نهار. والحل في حكومة تعمل بسياسات مرنة وعقليات خلاقة, تبتكر حلولاً غير تقليدية, ولا تعمل بمنطق تسيير الأعمال, وسياسة الترقيع والتسول وتأجيل المواجهة, وكأنها فقط ديوان للموظفين يحكمهم دفتر الحضور والانصراف أكثر من دفتر الانجازات. هذه العقليات لن تقود لأنها لا تملك الشجاعة على اتخاذ القرار, وسيظل الوضع مهيناً كمن يجلس القرفصاء ويمد يده طلباً للاحسان. فمشكلتنا مشكلة إدارة وليست موارد, لأن بلادنا غنية بالموارد التي تحتاج لحسن استغلالها والكف عن نهبها. ولا ننكر أن دولاً عديدة قد تبدل حالها من الشريان إلى الشريان, فاليابان بدأت من تحت الصفر وكوريا الجنوبية بدأت من الصفر, بالمناخ الحر والإدارة الواعية, والهيكل السياسي المرن وعدالة الاختيار, والفرص المتاحة بأولوية الكفاءة , فتولد الإبداع والخلق وتحققت الطفرة وحدثت المعجزة.

لذا إن لم نفق ونلقي بآثامنا ومعاصينا في البحر فان أدران الماضي ستفجر التابوت بما يحويه من فقر وجهل ومرض وبطالة وغلاء للأسعار وفساد يأكل الأخضر واليابس وأحلام مذبوحة على قارعة الطريق. والهروب من هذا التابوت يحتاج حركة, فالحياة حركة والإبداع حركة والعمل حركة والفكر حركة والتطور حركة, ولا سكون إلا في جثث الموتى.

 

عن محمد فتحي الشريف

شاهد أيضاً

المفكر العربي الكبير على محمد الشرفاء الحمادي يكتب ..الماء أساس الحياة

إن الدوافع الخفية التى تشجع إثيوبيا لتتخذ موقفا متعنتا وتتجاهل أن الماء عطاء من الله، …