الرئيسية / مقالات / “بوح سوريانا إيحاء يدلل به على نجاح النص ونضوجه” .. بقلم الرّوائيّ والنّاقد السّوريّ محمّد الحفر

“بوح سوريانا إيحاء يدلل به على نجاح النص ونضوجه” .. بقلم الرّوائيّ والنّاقد السّوريّ محمّد الحفر

رددت سابقاً وفي غير موضع أنني أفرح كثيراً حين أسمع بصدور مجموعة قصصية من نوع ال ق ق ج أو قصة الومضة ذلك لأن هذا النوع مازال قليلاً من حيث الطباعة والصدور، وهو نوع صعب جداً على عكس ما يتخيله بعضهم والذين استسهلوه وركبوا مطيته وخاصة على صفحات التواصل الاجتماعي ظناً منهم أنهم قد تمكنوا منه ، ولكي نكون منصفين نقول إن هناك أسماء جادة سعت وأسست لهذا الاتجاه من الكتابة وحققت نجاحات ذكرناها واستشهدنا بها في مطارح عديدة، واليوم تزداد فرحتنا بصدور هذه المجموعة القصصية التي تحمل عنوان ” رصاص وقرنفل ” لتنضم مؤلفتها ميادة مهنا سليمان إلى سرب الحمائم المتفرد في رفرفة أجنحتها ومنظرها البهي وهي تحلق مع أنغام موسيقاها وحروفها وكلماتها الخاصة جداً والتي خطتها بصبر وتأن ليكون لها هذا النتاج الذي يتميز بجسارته ومشاغباته وطروحاته الكثيرة فهذا الفن بالذات لا يهب نفسه لمن كان ولا يتأتى بسهولة، بل هو نتيجة جهد حثيث ومتواصل بذلته صاحبة هذه النصوص من أجل أن تقدم هذا العطاء.

وما من خلاف على صفات وسمات وخصائص تتميز بها القصة القصيرة جداً من تكثيف وبلاغة وشعرية ومفارقة وغرائبية وقفلة مدهشة وغيرها من إيحاء وتلغيز وإضمار وتلميز راعتها هذه النصوص التي بين أيدينا ببراعة فائقة مستخدمة معرفتها التي دفعت عن مجموعتها رداءة التسطح  والرتابة وهذا ما جعلها تغوص عميقاً إلى الجواهر المخبوءة هناك لتخرج بلحظات مضيئة قد يكون فيها الشموخ والشجاعة وتحدي الخطر وفيها التعاسة والخذلان والانكسارات والسعادات المتبقية والهاربة منا كالماء من بين الأصابع لكنها مشرقة ومتألقة في نهاية المطاف لأنها إنسانية تكشف كوامن البشر ونوازعهم نحو الخير والشر ومن هنا يشار إلى تقنية السرد التي استخدمت وجودتها وقدرتها على الكشف الذي يتجلى دائماً في الإبداع الحقيقي.

ومن العنوان الرئيس لهذه النصوص ” رصاص وقرنفل ” وعناوين النصوص الداخلية التي اختارتها بتمهل وترو كما العنوان الرئيس ندرك هذا التمازج والتماهي الذي اشتغلت عليه الكاتبة فالرصاص قد يكون للشر أو لدفعه وإبعاده عنا والقرنفل رائحة للورد وصورة للجمال ولكنه قد يخدر بعض أوجاعنا الروحية والجسدية، وهذا العنوان قد يكون سمة أساسية لهذه النصوص التي أبدعتها الكاتبة تحت تأثير الواقع وإرهاصاته التي ضغطت بشدة خلال سنوات الأزمة التي حلت على بلادنا وبالتالي يمكن تصنيف  بعض هذه النصوص كراصدة ومراقبة ومستبطنة لما حدث فوق أرض بلادنا وتلك نقطة تسجل للكاتبة، فقد اعتمدت كتابات كثيرة سابقة على الملك والوزير والسياف ورموز وأساطير وأشياء أخرى كي تبرز وتظهر للعيان بينما لم تلجأ المؤلفة لهذه الطريقة إلا في عدد محدود جداً من  قصصها، واعتمدت  في ظهورها السامق على الكثير من الواقع الممزوج بخيال دافق ومن هذه القصص نذكر على سبيل المثال فقط ” وطن ـ نخوة ـ تكفيرـ متعة ـ اتصال ـ احتفال ـ ثروة ـ لعنة” ولندلل على السخرية المريرة واللاذعة في آن وعلى انتشال هذه النصوص من أوحال الواقع إلى سماء الفن” نستعرض قصة المعطف حيث يسأل الصبي سفيرة الطفولة: “أنتِ هل تشعرين بنا؟  فترد عليه بغيظ : بالتأكيد حبيبي. عندها يشد معطفها الفاخر باكياً : إذن أعطنيه لأمي علها تدفأ وتشفى”.

ومن المعاناة والمرارة نأخذ قصة “ملاحقة” التي تقول فيها : ” افترش أرض الحديقة ، نام وهو يضم كرته ودفتر رسم هما الوحيدان الناجيان من قصف آثم ، حلم ببيته ، دراجته ، بأرنبه الصغير، لكنها ضنت عليه بتلك السعادة القليلة : قذيفة سقطت بجواره”

ونلاحظ التشفير والترميز في قصة ” مكرمة” : ” ـ سنزيد الأجور.

طارت قلوبهم معانقة السماء لكنها سرعان ما هوت مرتطمة بصخور الواقع حين استدرك مديرهم : على أن نزيد ساعات العمل”

وكما قلنا فإن ما ذكرنا هي مجرد نماذج من الق ق ج ومن خلال التأمل لنصوص المجموعة ” رصاص وقرنفل ” سنجد نماذج أكثر جمالاً وتوغلاً وقدرة على الوصول إلى روح متذوقي ومتابعي هذا النوع من الأدب لنكتشف جمالية سردية مكثفة ذات دلالات كثيرة كاشفة من خلال نصوص محددة المساحة مست جوانب كثيرة قد يعجز عنها أحياناً القص العادي.

لقد استطاعت الكاتبة ميادة مهنا سليمان أن تلتقط أيقونات حقيقية رسمتها في خيالها كثيراً قبل أن تكتبها لوحات متناثرة كنجوم فوق الورق، خلقت فيها الدهشة والمفارقة وربما تلك الصدمة التي أحدثتها في نهاية كل نص باسطة ذراعيها نحو هذا الفن لتكون بنصوصها أشرعة نور تبحر بها من زمن إلى آخر ومن ماض وحاضر إلى مستقبل مثيرة بذلك أكثر من جدلية ومسألة تستحق أن نقف عندها ونتأمل فيها قبل أن نبحر معها من جديد وكلامنا هذا ليس من باب المحاباة أو المجاملة أو التحيز إلا لإبداع جدي ينحو صوب التألق والتحليق في فضاءات لا تحدها الحدود ولا تقف في وجهها العوائق غير مكترثة بمواجهات واقعية صادمة قد تكون أغرب  من الخيال ذاته في إيحاء يحيلنا إلى أكثر من قراءة تدل على نجاح النص ونضوجه.

عن محمد فتحي الشريف

شاهد أيضاً

حسن إسميك يكتب: “دين.. تكنولوجيا.. سلام”

  نعيش في هذا المشرق الكئيب منذ عقود كثيرة ما يمكن تسميته بـ”لعنة الحضارة”، هنا …