الرئيسية / منوعات / “حبيب القلب” قصة قصيرة .. د. منى حسين

“حبيب القلب” قصة قصيرة .. د. منى حسين

كنت استعد للذهاب إلى عملى فى الصباح ، وكعادتى اتفقد ملامحى وانتقى ملابسى التى تتفق وحالتى النفسية ،  تمتد يدى إلى الألوان الفاتحة ودرجات اللون الأحمر ألوانى المفضلة حين تكون حالتى المزاجية جيدة ، وإن كانت حالتى المزاجية غير ذلك ارتدى الألوان الغامقة كالأسود والبنى والأزرق ، لكن حالتى المزاجية ليست بخير ، لا أعلم لماذا ؟

  فقد ارتديت  تاييرى الأزرق  ، و بينما هممت بالنزول ، فإذا بجرس هاتفى يرن  إنه زوجى ، رددت لإجد صوتا غريبا يحادثنى هل حضرتك زوجة الأستاذ عاطف حسن ؟  نعم أنا ، لدى خبر غير سار ، زوجك الأن بمستشفى القصر العينى ، فقد صدمته سيارة أثناء عبوره الشارع ، فارتبكت و أسودت الدنيا أمام عينى ، ماذا به ؟

 وكدت أفقد الوعى ، لكنى تماسكت وهرعت إلى الشارع ، واستدعيت سيارة أجرة ، لأصل الى المستشفى ، وتوجهت إلى الإستعلامات لأسال عن زوجى ، و أخبرونى أن حالته حرجة ، وهو فى غرفة العمليات ، وتوجهت مسرعة إلى هناك ، وإنتظرت ولم يطل انتظارى ليخبرنى الطبيب أن زوجى رحل ويقول لى ” البقاء لله “،

فى من يا دكتور ؟

  فى زوجك ،

كيف لقد نزل فى الصباح الباكر لم يزعجنى ، ليتجه إلى عمله ، وترك ما اعتاد تركه لى من الزهور ، ليقول ” صباح الورد ” ، فهو يعلم أنى أحب الزهور ، رحل دون أن يودعنى . 

مادت بي الأرض لكنى لا أعرف كيف اتصرف ، بعد وقت من الإنهيار بدأت الإتصال بأخواتى وأخواته ، لكى يغيثونى ، مات زوجى ، شريك عمرى الذى إخترته وحاربت الدنيا كلها لأجله ، ضاع منى ، كنا معا دائما ، حتى إن افترقنا كل فى عمله ، لا أشعر أنه يفارقنى ،

 فدائما يلاحقنى بمكالماته ويطمئن على ،وأنا أجيب بكل الشوق والحب ، وأساله متى ستعود ، وماذا أعد لك ، إنه نصفى الآخر الذى لا أعرف كيف يأتى علينا وقت ننشطر فيه لأذهب لعملى ويذهب هو لعمله ، لكنه يعرف كيف يعوضنى عن هذا ، بهمساته ورقيق كلماته ومداعباته التى يلاحقنى بها ، وماذا أفعل الآن ؟

عشر سنوات ونحن هكذا لم يتغير بل يزداد حبا لى ، وأزداد حبا له ، على الرغم من أننا لم نرزق أطفالا ، إلا أنه كان أبنى الذى لم أنجبه وأنا إبنته ، شعرنا فى لحظة ما أننا لو رزقنا بأطفال لحرمنا الحب الذى نعيشه ، فقد خلقنا لبعضنا .

كيف يتركنى الآن ؟ أى هواء سأتنفسه يخلو منه ، أى حياة سأحياها دونه ، إنه قلبى وعقلى ، منذ ساعات كنت بين ذراعيه ، يحوطنى ويهدهدنى حتى أنام ، أشعر أن جسدى يرتجف من البرد ، راح من يحتوينى ويحنو على ، من يروى بقلبى الحياة ،

 أصرخ وأصرخ ، وأتجه نحو الغرفة التى يرقد بها ، وألقى بجسدى عليه دفء قلبى راح ، جسده بارد كالثلج ، ربما أدفئه أنا ، ربما حين أعانقه ينهض ، ربما توقظه دقات قلبى ، ربما يعود حين يرى الدموع بعينى ، ربما يتراجع ويبقى بجانبى ،

يا من هويت لم الفراق

كنت بجانبى وبقلبى إشتياق

والآن والقلب به شقاق

عد فقلبى يكاد يتمزق للقياك

أضمه وأحادثه ، والكل يبعدنى ،

 ودعيه فقط ودعيه ،

أودعه أم أودع نفسى هو لم يمت ، أنا من مت ، وعقارب ساعتى توقفت ، حتى عقلى لا يفكر ، لا تأخذوا حبيبى ،

يدخل الجميع ويعدونه كى يحرمونى حتى من جسده الذى لا يراودنى و يحاكينى ، رضيت به ساكنا ، أتركوه إلى أن أرتوى منه ،

ووسط عويلى وصراخى ، لم أدرٍ ماذا حدث ؟ غبت كثيرا ، إلى أن أفقت لإجد أختى تلازمنى وعيناها تزرف الدموع لإجلى ، تماسكى ،

 أين هو ؟

 ذهبوا ليدفنوه ،

 وكيف لا أكون معهم ؟

حدثتهم وقالوا أنهم قادمون ليطمئنوا عليكِ ،

 حتى لم أره وهو يدفن ، هل هان على الجميع ؟ تركوه وحيدا وأغلقوا مقبرته ، هل أعدوها جيدا لإستقباله ؟ هل نثروا بها الزهور ، والعطر الذى يفضله ، هل ألبسوه الأقمشة التى يفضلها ؟ كيف غبت عن الوعى ؟

 ولم لم أفعل له ما يحبه ؟ أحدث نفسى كثيرا ، هل سأعود لمملكتى وحيدة ؟ دون أن أنتظره ، دون أن أعد له كل ما يحب ، دون أن أتزين لحبيبى ، سيخلو فراشى من دفئه  ومن أنفاسه ، وقلبى هل سيدق دقاته أم سيتوقف كقلبه ، لا أستطيع أن أتخيل الحياة بدونه ، عويل وصراخ ، والكل يهدىء فى ، لم رحل وتركنى ، عشنا سويا لم لم نرحل سويا ؟

عدت لمنزلى تصاحبنى أختى وكل من حولى ، لا أكاد أصدق أنى فقدته ، ملابسه على سريرى ، رائحته مازالت بها ، أتنفسه بها ، هل مازالت دافئة أحتضنها ، عيناى تزرف الدموع وقلبى حزين ، خلت حياتى من دفئه ، خلت ممن يقرأنى ويفك شفرتى ، حزينة أم فرحة ، ويداعبنى ويخفف ألامى.

اليوم أنام وحدى ، هل ستغمض عينى ؟ هل سأنام بلا دفئه ؟ بلا مداعبته لشعرى ، سكن جسده ومازال جسدى يتحرك ويتشوق لملاحقته ، إفترقنا هو بعالم وأنا بعالم آخر ، متى سألحق بك يا من أخذت حياتى معك .

 ومرت ليلتى والكل حولى يرقبنى ، فهذا ينام جالسا ، وهذه تغفو ، وأنا لا أغمض عينى ، أراه فى كل مكان ، وأتحسسه ينقصنى ضمه لى ، كنت بين يديه طفلته المدللة ، اليوم كبرت عقودا ، فقلبى شاخ ، حتى ملامحى ذبلت ،

 العيون حولى تعلم مدى حبى له ، لكنها سنة الحياة ، يواسونى وإن لم ينطقوها ، أعرف أن الفراق صعب ، وهذا فراق للأبد ، فراق بلا رجعة ، الصمت سمتى ، راح حبيبى وقرة عينى .

أخبرونى أن العزاء سيقام بعد غد فى مسجد “الرحمن الرحيم ” ، لا أعرف كيف مرت هذه الأيام ، إلى أن جاء يوم العزاء ، فلنستعد ، أخرجت ردائى الأسود ، وذهبنا إلى القاعة لننتظر أقاربه وزملاءه بالعمل وأقاربى وزملائى والجيران ومعارفنا ،

جلست فى مقدمة القاعة فالكل يبحث عن زوجة عاطف حبيبة روحه ومليكة قلبه ، ليواسيها فى مصابها ، تقبلت عزاءه وقلبى يقطر دما وعينى لا تجف بها الدموع ،

 إلى أن دخلت سيدة بصحبتها طفلة عمرها حوالى خمس سنوات لتعزينى ، فسلمت عليها وقبلت طفلتها ، إنها ” منى ” على اسمك ، سماها عاطف على إسمك لأنه يحبك أكثر من نفسه ، إنها  “منى عاطف ” ، إنها إبنته الصغرى ، فأنتى إبنته الكبرى ،

 من أنتى ؟ أنا زوجة عاطف ، تزوجنى لأنجب منى الصغيرة ، صاعقة نزلت فوق رأسى ، حبيبى خاننى ، حبيبى ضم أخرى لصدره ، أنجب منها طفلة ليحاكينى ،

لملمت أشيائى وغادرت المكان فى هدوء دون إكتراث بمن حولى ، أين أذهب ؟ إلى منزل ضمنى وضمه ، المكان يشهد على خداعه ، كيف لم ألحظ هذا ، حتى مكان الحادث ، لم لم أسأل نفسى ؟  لم صدم هناك ، ليس طريقه للعمل ، إنه كان معها أو متجها إليها ، كيف هنت عليه ، ولم يخبرنى ، ويخيرنى إن قبلت كان و إن رفضت إختار هو ، لكنه الأمر الواقع ، حظى بالإثنتين .

تبدد حزنى ، وتاه وسط ذهول عقلى ، سكينا طعنتها هذه السيدة بصدرى ، كيف عرفها  وكيف تزوجها ؟ كيف خاننى ؟ وهذه الطفلة الصغيرة ، قطعة منه ولها إسمى ، ماذا فعل بى ؟ يحاصرنى حيا و يقتلنى ميتا ، إنه يراوغنى ، أنا “منى ” الكبرى وهى ” منى ” الصغرى ، ماذا يريد منى ، يوصينى بإبنته ، هذا ما أسرت لى به إمرأته ، سأنام فقد تحملت كثيرا ، ربما أفهم حين أفيق ، وأغمضت عينى .   

عن محمد فتحي الشريف

شاهد أيضاً

“كيف أهرُب مِنْ أشباحِ ماضٍ؟” قصيدة للشاعرة الدكتورة/ نادية حلمى

أجتزتُ عُمرِى بِدُونِ فِهمٍ لِلحكاية، وفِى البِلُوغِ قرأتُ أكثر عنِ المشاعِر وأسرار حُبٍ فِى خِطابٍ …