الرئيسية / مقالات / حسن إسميك يكتب: عن العروبة والإسلام.. “خبز وماء” الحضارة

حسن إسميك يكتب: عن العروبة والإسلام.. “خبز وماء” الحضارة

يأخذ التاريخ على عاتقه حياكة أواصر العلاقات الإنسانية بظروفه وعوامله وتقلباته، كما يتسبب في أحيان أخرى بتقطيع هذه الأواصر تحت تأثير نفس العوامل. هي علاقة تبادلية إذن؛ فالإنسان هو من يصنع التاريخ، وفي لحظة ما يصبح هذا التاريخ هو القائدَ والموجِّه لسلوك الجماعات الإنسانية ومستقبلها، لتتحول هذه العلاقة التبادلية إلى “مواجهة” لا تكاد تنتهي بين ما راكمته هذه الجماعات عبر سلوكها وخياراتها السابقة، وبين رؤيتها الجديدة أو طموحاتها التي اختلفت –بطبيعة الحال– عن أزمان سابقة.

 

من هذه الفكرة سأبدأ الخوض في العلاقة بين العروبة والإسلام، ,التي ما زالت مثار جدل طيلة أربعة عشر قرن مضت، وتداخلت فيها العوامل الروحية والتاريخية والإنسانية، فما عادت مجرد رابطة عرضية بين قومية أمة ما، وبين الدين الذي يدين به أفراد هذه الأمة، بل اتخذت أحد أكثر أشكال الجدلية عبر التاريخ، فأنتجت حضارة رائدة كانت العروبة والإسلام خبزها وماءها.

 

لا أبتغي من مقالي هذا محاولة إثبات هذه العلاقة أو التدليل على عمقها وأهميتها، فهذا مما امتلأت به الكتب والمقالات، إنما أريد مقاربة فكرة التلازم الذي يزداد يوماً بعد يوم بين تياري العروبة والإسلام، وليس المقصود بالتلازم هنا ألَّا وجود لأحدهما دون الآخر، لكنه يعني استمرار دور هذه العلاقة في تحديد مصير ومستقبل الأمتين، رغم محاولات “متطرفين” من التيارين ادّعاء التفرّد، وإغفال كلٍّ منهما دور الجانب الآخر في تشكيل هويّة وثقافة جامعة لم تعرفها بقية الأديان أو القوميات، ودعوتهم لفصل العروبة عن الإسلام نتيجة ما شاب شكل هذه العلاقة من تشويه خلال العقود القليلة الماضية.

 

شكلّت العروبة –بحكم أسبقيتها على الإسلام– الحاضن للدين الحنيف، فغذّته ورعته، وفي الوقت نفسه استندت على رؤيته الكونية لتشكيل حضارة باسمها والاستمرار بها سنوات طويلة، فكان الإسلام أشبه بالجنين الذي نما في رحم العروبة، معتمداً في غذائه على حبل سري غني ومتين، هو اللغة العربية التي شكلت أهم مقومات هذا الترابط واستمراريته، لتصبح فيما بعد أهم ركن تُم استهدافه لفصل الإسلام عن حاضنته العربية، ولأسباب سياسية بحتة.

 

تشير آخر الإحصائيات العالمية إلى أن عدد الناطقين باللغة العربية بلغ اليوم نحو 467 مليون إنسان، ما يجعلها خامس أكثر اللغات تحدثاً على مستوى العالم خلف الماندرين والإسبانية والإنجليزية والهندية. لكن لنعد بالزمن إلى ما قبل ظهور الإسلام، يوم كانت اللغة العربية في طورها الأول من الفصاحة التي حملتها قصائد الشعر الجاهلي، وتكونت بشكلها المعروف في القرن الثالث الميلادي وانتشرت بين القبائل العربية من الجزيرة وحتى سورية والعراق بفعل التجارة والتجاور، ثم أصبحت لهجة قريش المتميزة بالفصاحة وحسن اللفظ طاغية على سائر اللهجات، ولعبت المناظرات الأدبية التي كانت تقام في مكة دوراً مهماً في صقل وتهذيب اللغة، وصار صاحب البلاغة في خطابه اليومي يُعدّ من ذوي الثقافة الرفيعة.

 

وفي وسط هذه التوهج للغة التي تمثلّ روح المجتمع والقومية،  والتي تعدّ في أي مكان من أهم عوامل الشعور الفردي والجماعي بالانتماء لقوم وحضارة معينة، جاءت الرسالة المحمدية بوحي إلهي ناطق باللغة العربية، فزادها رفعة وترك أثره في نفوس المدعوين إلى الدين الجديد من القبائل خارج الجزيرة أيضاً، وهكذا مهدت اللغة والثقافة العربية الطريق أمام الفتوحات الإسلامية، وضَمِن القرآن العربي لهذه اللغة ازدهاراً ومكانة سامية، مانحاً إياها قوة إضافية كرابط قومي يعلو على بقية الروابط،

وفي هذا يذكر الأمام عبد الحميد بن باديس في مقال نشره عام 1963م أنه “تكاد لا تخلص أمة من الأمم لعرق واحد، فليس الذي يكون الأمة ويربط أجزاءها ويوحد شعورها ويوجهها إلى غايتها هو هبوطها من سلالة واحدة؛ وإنّما الذي يفعل ذلك هو تكلمها بلسان واحد.

ولو وضعت أخوين شقيقين يتكلم كل واحد منهما بلسان، ثم وضعت شامياً وجزائرياً –مثلاً– ينطقان باللسان العربي، ورأيت ما بينهما من اتحاد وتقارب.. لأدركت بالمشاهدة الفرق العظيم بين الدم واللغة في توحيد الأمم”.

يلمح كلام ابن باديس، دون أن يُفصح، إلى أهمية اللغة في صياغة الهوية الجماعية، وما زال تعليل هذه الأهمية سؤالاً لم يُغلق باب الإجابة عليه إلى اليوم، إذ ما زال أثر اللغة في تشكيل وعي الإنسان وقيمه غامضاً، وما زال فهم عملها في النفس البشرية ناقصاً لم تُسبر أغواره بعد، غير أن فلاسفة اللغة وعلماءها المعاصرين يؤكدون أن اللغة ليس مجرد أداة للتواصل بين الأفراد فحسب، بل هي أساس تشكل إنسانيتنا ونمو عقلنا، وهو المستودع الوجداني لمعارفنا وأخلاقنا ومشاعرنا وأفكارنا وتصوراتنا عن وجودنا ووجود كل شيء من حولنا، اعتبرها الفيلسوف الألماني هيجل “وعاء الفكر “بينما عدها  هايدغر “بيت الوجود”.

 

وشاهد القول هنا أن اللغة العربية، ولما بلغت مبلغها من قوة التعبير والإيضاح، جاء الإسلام فتلبّسها لتتشكل من كليهما وحدة استطاعت أن تحمل رسالتها الحضارية إلى كل أطراف العالم.

 

ويتميز الإسلام بأنه دين ودنيا، وهو منذ بدء الدعوة لم يميز بين عربي وآخر، ونصُّ الحديث الشريف واضح في ذلك: «أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى»، وبذلك فلم يحصر نفسه ضمن قومية واحدة رغم لسانه الناطق بالعربية، كما لم يشترط على الراغبين بالانضمام إلى صفوفه أن يصبحوا عرباً ولم يلزمهم تعلّم اللغة العربية إلاّ بالنذر اليسير، أو بما يمكّنهم من أداء العبادات التي تؤدَّى بهذه اللغة، وانطلق بخطاب جامع، إذ يخاطب القرآن (المسلمين والمسلمات) أو (المؤمنين والمؤمنات) وفي آيات عديدة يتوجه إلى الناس جميعاً في دعوته، ولم يتوجه مرة إلى قومية دون أخرى.

 

بذلك أفسح الإسلام المجال أمام القومية العربية لإظهار تميّزها ضمن منظومته، وهو ما حصل فعلاً وتجلّى من خلال الحضارة العربية الإسلامية التي تميزت بالحض على العلم والاتجاه نحو الدين والفلسفة والتمسك بالقيم العليا وكرامة الفرد وحرية الفكر والعقيدة، ورغم أنها جمعت نتاج الشعوب المسلمة وغير المسلمة من عربية وغير عربية، بقيت العروبة طابعها وروحها.

 

فنحن هنا إذن أمام علاقة رباعية الأطراف تضم العرب (مسلمين وغيرهم) والمسلمين (عرباً وغيرهم)، وتقوم على التفاعل الخلاّق بين هذه المكونات دون أن يقيّد أحدها الآخر، وهي ليست من المسائل التي تخضع لمنطق (إما.. أو) كما يشير الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه “مسألة الهويّة.. العروبة والإسلام والغرب” بل هي الإثنان معاً في جدلية واحدة.

وفي الوقت الذي حاول فيه العثمانيون السيطرة على المنطقة سياسياً اعتماداً على رابط الدين وحده، لم يَفُتهم ما تشكله اللغة العربية من أهمية في هذه المعركة، من هنا جاءت محاولات التتريك للشعوب العربية الخاضعة لها، في محاولة لفصل عرى الإسلام والعروبة، والقضاء على الحامل الحضاري الذي ساد منذ منتصف القرون الوسطى وطمس الهوية العربية، غير أن هذا المخطط باء بالفشل بسبب دور اللغة في العبادة وبذلك حمى الإسلام الهوية العربية مجدداً.

أعقب ذلك محاولات قوى الاستعمار الغربي لإعادة تشكيل الشخصية العربية وفقاً لمقومات حضارتها، وكان من أهداف هذا السلوك نفي المساهمة العربية في الحضارة الإنسانية ونسب القسط الأكبر لإنجازات الحضارة الإسلامية إلى الحضارات المجاورة غير العربية كالفرس والهند والصين والترك.. إلخ.

وقد عادت قضية الترابط بين العروبة والإسلام لتشغل الرأي العام العربي خلال الفترة الممتدة من منتصف القرن العشرين، بعد ظهور الحركات القومية التي نشأت كمدافع عن الهوية العربية وتحولت فيما بعد إلى أحد قطبين إيديولوجيين متنازعين.

حيث كان من نتيجة عمل الحركات القومية ظهور ما يسمى “العروبة الرسمية” أو “عروبة الأنظمة”، التي حولت هذا الانتماء إلى إيديولوجيا سلطوية تمالي ثنائية العروبة والإسلام في سبيل مصالح شخصية.

وفي الوقت نفسه بدأت التيارات الإسلامية بالبزوغ والتشكلّ واضعة معاداة القوميين ضمن أولوياتها. أعاق التنازع بين هذين القطبين المتماثلين في القوة والمتعاكسين في الاتجاه، تكوين “كتلة تاريخية” متجانسة في الوعي والحركة، ودفع المجتمعات العربية في اتجاهات متباعدة متنافرة، شكلّت أساس ما نعانيه اليوم في منطقتنا من مشكلات وحروب وتخلّف وضعف.

 

وفي الحقيقة فإن ما شاب العلاقة بين العروبة والإسلام لم يكن بسبب عوامل مرتبطة بكيان كل منهما المنفصل عن الآخر، لكن ما أثار هذا الجدل جاء نتيجة ممارسات الأطراف التي تتبنى أحد التيارين وتعتبر أنها تمثله بشكل كامل، حيث يعتقد القوميون أنهم وحدهم يمثلون العروبة، ويظن الإسلاميون أنهم حماة الدين الوحيدون، وهكذا تحولت العلاقة العضوية بين العروبة والإسلام إلى جزء من الحرب بين هذين التيارين، يمكن تلمسه بشكل واضح في التصادم الذي حصل بين التيار السلفي الذي تطور نحو تسييس الدين والتيار القومي ممثلاً بعبد الناصر في مصر.

 

كما كان من نتاج هذا العداء، رسم صورة قاتمة للعلاقة بين العروبة الإسلام، تُظهر كأن عاملاً مشتركاً يجمعهما هو “الإرهاب” أو “التخلف”، وتم صهر الهويتين العربية والإسلامية ضمن بوتقة “أعداء العلمانية والحضارة” ولم يكن ذلك إلا نتيجة ما فعله متطرفو التيارين طيلة عقود من محاولة احتكار السلطة والسير بالشعوب العربية والمسلمة نحو التخلف والفوضى، تحت ذرائع واهية شتى.

 

تجمع العروبة بين الوحدة والتنوع، وهي تنطبع بالإنسانية، فلا تقوم على دين أو جنس أو لون دون سواه، وهي عامل ثقافي اجتماعي قبل أن تفترض وجود دولة واحدة موحدة، وعلى نفس المقياس يأتي الدين الإسلامي ليجمع شعوباً وأعراقاً متعددة دون تمييز، إن لتشابك هذه الميزات لدى الطرفين أهمية لا تقدر بثمن، ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى وضعها موضع التفعيل الحقيقي والتنعمّ بثمارها من جديد.

 

لا أنكر أن الطريق إلى إعادة هذا التكامل لايزال طويلاً ومحفوفاً بالمعيقات والمشاكل، لكنه سبيلنا الوحيد لنهضة أمتنا العربية والإسلامية من جديد. ولأنه لا يمكن أن نطلب من أيّ كان التنازل عن هويته وانتمائه، فإننا قادرون على أن نطلب منه المشاركة ووضع كل ميزات انتماءاته المختلفة في خدمة قضايانا وأرضنا وشعوبنا التي تستحق أن تنعم بالسلام بعيداً عن الاستقطابات والأيديولوجيات الهدّامة ذات الأهداف المشبوهة.

عن محمد فتحي الشريف

شاهد أيضاً

محمد فتحي الشريف يكتب.. أحداث طرابلس وهشاشة المشهد

حرب الميليشيات المسلحة التي وقعت قبل أيام في العاصمة الليبية طرابلس، ليست الأولى ولن تكون …