الثلاثاء , نوفمبر 12 2019
الرئيسية / مقالات / د. حسن محمود يكتب : في ضيافة محجوب عبد الدايم  

د. حسن محمود يكتب : في ضيافة محجوب عبد الدايم  

 رغم صعوبة الطقس، والجو العاصف والأمطار الغزيرة، أصر أعضاء منتدى المحكيات على استضافة المغفور له محجوب عبد الدايم، فكان موعدنا معه أمس، في حوار ثري وراق، تحدثنا إليه، فرحب بنا، ألقينا عليه الاتهامات جزافا، فغضب منا، عدّدنا عيوبه وجرائمه، فدافع عن نفسه وألجمنا بسؤال لايزال يصيبني بالإحباط واليأس!!

جلس عبد الدايم في ركن قصي من الغرفة، في ثياب رثة، تبدو ملامحه جامدة، يتجول بعينيه بين الحضور، يتفحصهم، ينظر إلىّ في غضب، يرفع قبضة يده بين الحين والآخر متوعدا، مهددا.

بدأ اللقاء هادئا، بسرد سلس وممتع من الأديبة أمينة الزغبي، حيث قامت بتشريح شخصية محجوب عبد الدايم، من خلال عدة عناصر:

1- البعد الاجتماعي:

حالة الفقر الشديد التي عاني منها محجوب عبد الدايم، وجعلته لا يقيم وزنا لعرف أو دين أو أخلاق، بل لخص فلسفته في الحياة بكلمة جامعة (طُظ).

2- البعد النفسي:

الضغوط النفسية التي واجهها بسبب الفساد الحكومي والإداري، حيث انتشر الفساد والمحسوبية والرشاوي، وتكونت عنده عقدة ( الانتقام ) من ذلك المجتمع الفاسد، فأخذ يتوعد العالم بين كل حين وآخر بالانتقام.

3- البعد الأسري:

شعوره بعدم الانتماء الأسري ، حيث سيطرت عليه فكرة أن أسرته لم تقدم له شيئا، فكان من السهل عليه أن يتخلى عن أبيه وأمه في شيخوختيهما.

وهنا حاولتُ أن استدرج محجوب عبد الدايم، وأعرض عليه بعض الأسئلة، ومعرفة رأيه فيما قالته أمينة الزغبي، لكنه أشار بسبابته غاضبا… استمر !!

قمت بعرض ملخص لفيلم ( القاهرة 30) في حوالي 24 دقيقة، من إخراج الرائع صلاح أبو سيف، حوار الأديب لطفي الخولي وسيناريو ثلاثة من مبدعي الزمن الجميل ( على الزرقاني وصلاح أبو سيف ووفية خيري ).

ثم جاءت مداخلة الفنان الخلوق الأستاذ عماد خطاب، وتحدث باستفاضة عن البطل الحقيقي في هذا الفيلم، ألا وهو السيناريو والحوار، فقد كانت الواقعية هي المسيطرة على مشاهد الفيلم، وحركة الكاميرا كانت مباشرة وسلسة وغير معقدة، خاصة في المشهد الأخير حين يُكتشف أمر محجوب عبد الدايم من قبل زوجة الوزير الخائن، أما الأداء فكان بسيطا ومقنعا، لكنه عاب على شخصية البطل ( حمدي أحمد)، أنه لم يخرج من عباءة ( محجوب عبد الدايم) حتى توفاه الله، وبرر ذلك بأن البطولة الحقيقية في الفيلم لم تكن للممثل بل للقصة والسيناريو والحوار.

وهنا كان لي مداخلة بسيطة حول أفضل فناني الفيلم من حيث الأداء التمثيلي، ففي رأيي أن ( شفيق نور الدين ) كان عبقريا في أداءه لدور الأب، خاصة عندما أُصيب بالشلل، إلى جانب أداءه الصوتي في المشهد الأخير ( محجوب مات واندفن …. محجوب مات … واندفن)، أداء صوتي وتعبيري عبقري يُدرس لفناني زمننا الحالي .

ثم جاءت مداخلة مهندسة ماجدة، حيث طرحت العديد من التساؤلات عن فكرة ( قدرة الزوجة على تحمل وجود امرأة أخرى في حياة زوجها كزوجة ثانية).

وهنا تدخلت الدكتورة ميري جنيدي وقالت بأن لكل حالة ظروفها المختلفة، وإن بعض النساء ترى أن زواج الرجل بأخرى شئ طبيعي حفاظا على تماسك الأسرة، خاصة إذا أوفي الرجل بمتطلبات الحياة.

وجاءت في هذا السياق مداخلة الأديبة والشاعرة نادوو فتيحة، حيث أكدت على صعوبة تعميم تجربة معينة، وأن لكل علاقة إنسانية خصوصيتها وظروفها.

وكانت المداخلة الثرية التالية للأديب أحمد قاصد، حيث تحدث عن الظروف السياسية والاجتماعية التي كُتبت فيها هذه الرواية، وكيف كانت السينما خادمة للتوجهات السياسة حينئذ، وبين لنا ما أسماه ( ثقافة العبيد) التي بُنيت عليها فكرة الرواية، ثم عرّج على بعض التقنيات الخاصة بحركة الكاميرا وكادرات التصوير ورؤيته المسرحية لبعض مشاهد الفيلم.

وجاءت مداخلة الأديب والناقد الأستاذ أحمد إبراهيم ثرية وراقية، تحدث عن وجهة نظر مغايرة تماما عما سبق، وتكلم باستفاضة عن ( ثقافة الفقر)، وأعطي نبذة تاريخية رائعة عن منطقة ( الكورانتينا) العشوائية التي أُزيلت في عهد محمد عبد السلام المحجوب، وكيف تولدت العشرات من الأمراض الاجتماعية هناك، مثل زنا المحارم والإدمان والسرقة إلى غير لك من فواحش، وهذا ما أنتج لنا عشرات بل مئات من ( محجوب عبد الدايم).

ثم كان اللقاء مع المخرج والفنان الأستاذ محمد أبو المعاطي، حيث قرأ لنا مقالا كتبه جمال الغيطاني 2012 عن شخصية محجوب عبد الدايم، مفاده ( إن بكل منا محجوب عبد الدايم)!! … وهنا اعترض الشاعر الرائع أحمد يسري على هذا الطرح، واعتبره مقالا ( مُسيسا)، وخاصة حين نربطه بتاريخ نشره وطبيعة كاتبه.

ثم أكمل الأستاذ أبو المعاطي مداخلته، وتحدث عن رؤية أستاذه صلاح أبو سيف في هذا الفيلم، وكيف إنه تم اختياره ضمن أفضل مائة فيلم روائي على مستوى العالم في استفتاء أُجرى في سبعينيات القرن الماضي.

وهنا استمعنا بإنصات للأديب والناقد رشاد بلال، فهو من عاشقي نجيب محفوظ، ودائما ما يغوص في رواياته ليخرج لنا اللؤلؤ والياقوت، وقد غاص في شخصية محجوب عبد الدايم وأوضح كيف استطاع نجيب محفوظ أن يرسم تلك الشخصية المثيرة للجدل، كما رسم قبل ذلك صورة السيد عبد الجواد وغيره من الشخصيات التي لا تزال حية في وجدان الشعب المصري.

وجاءت مداخلة الأستاذ عادل محمود في نفس السياق، فقد اعتبر أن ثقافة الفقر هي المحرك الرئيس لشخصية محجوب عبد الدايم، وأن انتشار الفساد والمحسوبية في زمان ومكان ما يمثلان البيئة الصالحة لنشأة وتوالد مئات بل آلاف من ( محجوب عبد الدايم).

وهنا ألقت الأديبة سحر النحاس بدلوها في الحوار الثري، وتحدثت عن تلك الظروف الاجتماعية والنفسية التي تخلق منا ( محجوب عبد الدايم)، وكيف عبرت الرواية بصدق عن هذه الشخصية المثيرة.

ثم تحدث الأديب جدو ماهر، وعرض وجهة نظر مغايرة تماما، وهي أن الفقر ليس مبررا للانحراف، بل أن الفقراء هم أكثر الناس تمسكا بالدين والأخلاق، وشخصية محجوب عبد الدايم رغم تواجدها في المجتمع إلا إنها لا تعبر عن الفقراء، وأن الفقر عنصر وحيد قد يدعم تواجد هذه الشخصية المنحرفة، لكنه لا يخلقها.

ثم تحدثت الأديبة أمينة الزغبي عن علاقة الرواية بالفيلم، وأوضحت كيف أن نجيب محفوظ كان مبدعا وعبقريا في رسم صور الشخصيات، مما يسر الأمر على المخرج وكتاب السيناريو لعمل ( كاست العمل) بكل حرفية وإتقان.

وهنا انتفض محجوب عبد الدايم وألقى سؤالاً ألجم الجميع …

( لقد جئتم لمحاسبتي، بعد تسعين عاما من فضيحتي، فهل أصبحت القاهرة الآن خالية من الفساد والمحسوبية؟).

نظر كل منا إلى الآخر، طأطأ رأسه، سادت بيننا حالة من الصمت ، نظرت إلى عقارب ساعتي، فإذا بها تتجاوز التاسعة والربع، وكان لا بد من إنهاء الحوار، فقد أثار سؤال محجوب عبد الدايم كثير من الشجن، والحزن ، والألم، والعواصف الرملية والأمطار الغزيرة.

شكرا جزيلا لكل الأصدقاء الذين تحملوا مشقة الحضور وشدة الطقس وصعوبته…

شكرا لمديرة قصر الثقافة الأستاذة والفنانة أماني عوض

شكرا لمديرة النشاط الثقافي الأستاذة هبة السايس

شكرا جزيلا للأستاذة فاطمة السماليجي على تهيئة كل الظروف لتنظيم هذه الندوات التي نأمل جميعا أن تستمر على هذا المستوى الرائع والثري .

عن محمد فتحي الشريف

شاهد أيضاً

الجيش المصري يهزم قوى الشر

  الكاتب والباحث السياسي    أنمار نزار الدروبي بين حضارات وادي النيل والرافدين تشابكت عروق …