الرئيسية / منوعات / د. سحر شريف تكتب : “بين القصّ وفن اليوميات” ملاحظات نقدية على كتاب “يوميات قاضٍ ” للمستشار بهاء المرى

د. سحر شريف تكتب : “بين القصّ وفن اليوميات” ملاحظات نقدية على كتاب “يوميات قاضٍ ” للمستشار بهاء المرى

 

 

 

          ترى الواقعية؛ أن مَهمة الفن والأدب هى نقدُ الحياة، ويتحدد نقدُ الحياة كما عبَّر عنه د. مندور “باحتفال الكاتب بفهم النفس البشرية” (1).

          ويرى الواقعيون أنَّ نقد الحياة هو المقدمة الأولى لنموها ورُقيِّها فبالنقد وحده تُغربَل بذور الموت من بذور الحياة (2). 

          والمتأمِّل فى الموروث النقدى لنقاد الواقعية؛ يلمس عندهم التأكيد على الدلالة الاجتماعية بالمدلول الإنسانى الواسع للكلمة، كما يلمَس عندهم القيمة الجمالية فى الفن (3). 

          وطبقا لنظرية الانعكاس “المرآة” يصبح الأدب انعكاسا لواقع الحياة وتطورها، بل هو انعكاس إيجابي (4). 

          وينتمى كتاب “يوميات قاضٍ .. الواقع ساردا” إلى هذا الصنف من الأدب الذى يصور سوءات المجتمع وآفاته الأخلاقية والاجتماعية؛ لغاية أخلاقية، مما يدخله فى زمرة أدباء الالتزام؛ أو ما يُعرَف نقديا بالالتزام فى الأدب، إذ يقول فى مقدمته:

“كانت غايته التأمل فى فِعال البشر، سواء ما فعلوه بأنفسهم أولاً أو ما فعلوه بغيرهم وذويهم ثانيا، وفى مجتمعهم الذى يعيشون فيه .. وصولا إلى تدبُّر يأخذ بأيدينا إلى طريق صواب، وتنبيها إلى أنَّ أشجار الشرِّ لا يجنى زارعها إلا ثمار الندم، ثم إجمالاً دقُّ نواقيس الخطر (5).

          ولكن الواقع الفنى يختلف عن الواقع المعيش، فوقائع العمل الفنى الناج تمتلك تبريرات أكثر إقناعًا من وقائع الحياة ذاتها لأن “العمل الإبداعي يتيح لنا انعكاسًا للواقع أكثر أمانة فى جوهره؛ واكتمالا فى طبيعته، وحيوية فى تفاصيله” (6). 

          وتجربنا هذه المقدمة إلى الإشكالية الأولى التى يطرحها هذا الكتاب “يوميات قاض” عن تحديد جنسه.

          وذلك لأن التعريف النقدى المعيارى لليوميات هو : إنها سِجلٌ للتجارب والخبرات اليومية، وحفظ الأخبار والأحداث الحياتية للشخص(7). 

          وتختلف اليوميات عن السيرة الذاتية؛ بأن شخصية كاتب المذكرات تلتزم عادة “بالتسجيل والتوضيح لما يدور حولها، أما ما يدور داخلها فيبقى فى الظل، ولذا تكون المذكرات واليوميات عبارة عن مدونات لها قوة الوثيقة، التى لا يمكن تعديل زمنها” (8). 

          وما الإشكالية إذن؟ .. يعترف المؤلف بأن هذه اليوميات (أحداث ووقائع عاشها قاض .. حكايات من الواقع لم يخامرها خيال (9).

          فإذا ما بدَأتَ القراءة أيها المتلقى، أخذك الأسلوب الأدبى الراقى، وشدَّتكَ الأحداث المثيرة، لتجد نفسك واقفًا إزاء فن آخر بعيد عن اليوميات، هو فن القصة القصيرة بعناصرها المعروفة من إيجاز وتكثيف ووحدة، وبخاصة عنصرى الأبعاد المختصرة والتشديد على الخلاصة، فكل شىء فى القصة القصيرة يميل نحو الخلاصة، ويصبُّ فى هدف واحد ويتَّجه بقوة نحو نقطة واحدة ليصيب الهدف المنشود، وهذا ما تحقق فى قصص الكتاب الذى بين أيدينا.

ثانيا : يجرنا هذا إلى الحديث عن البنية القصصية القصيرة؛ لحكايات المجموعة القصصية (وهنا أستريح إلى إطلاق صفة القصة القصيرة عليها).

          تعتمد البنية السردية فى يوميات قاض على أحادية الصوت، حيث يروى القصة راوٍ واحد هو الرواى العليم، رغم أن مادتها القصصية عبارة عن صورة وخبر؛ لشريحة ضيقة من شرائح الحياة / المجتمع، ولكن الرؤية التى يستخدمها الراوي لإدراكها محدودة بحدود الشريحة، مما يجعلها أكثر حسِّية وتأثيرا وتحديدا للهدف، وأكثر حدَّة فى العرض، ويجعل المسافة التى تفصل بين الراوي والأحداث تكاد تكون معدومة، إذ يلاحظ القارىء ضيق البؤرة السردية بين السارد والأحداث، رغم أنه راوٍ عليم مسيطر ومهيمن على الحدث (بضمير الغائب).

          ففى قصة “على هامش قصاص” “هامت حبًّا بقريب زوجها وجدت فيه ضالتَها .. الأنيس والجليس .. فى أجواء أو شكتْ فيها عُرى الزوجية على الانفصام .. شهر كامل يفكران .. نقتله بالسم .. لا لا .. إن السم يترك آثارًا .. يصدمه العشيق بالسيارة .. لا لا .. قد يبصره الناس فى الطريق .. فى لحظة وهى أمام التلفاز تنفرج أساريرها .. تبتسم ابتسامة منتصر .. تمسك بالهاتف .. تستدعيه فورا للحضور .. يجىء على عَجَل .. قالت : وجدتُها .. فوطة مبللة” (10). 

          فأنتَ تشعر فى هذا النص بأن الراوى قد اقترب كثيرا من الحدَث، وذابت كل الفواصل بينه وبين الشخوص، واقترب من أزمتهم، ودخل فى نواياهم وقلوبهم ونوزاعهم الشريرة بزاوية شديدة القُرب لموقع الحدَث.  

ثالثا : يرى النقاد أن القصة القصيرة ذات خطاب مستقل عن سائر الخطابات الأدبية الأخرى، فلا يوجد فيها مجتمع مكون من وجهات نظر متضاربة أو مختلفة؛ كما هو الشأن فى الرواية، وبحسب الناقد “أوكنر” فى “الصوت المنفرد” (11) أن القصة القصيرة بحكم طبيعتها الثابتة، بعيدة عن الجماعة ورومانتيكية وفردية ومتأبية من حيث القالب والمضمون.

          ولكن قصص “يوميات قاضِ” قريبة من الجماعة، برغم توغلها فى النفس البشرية لأبطالها من مقترفي الجرائم، وخير شاهد على ذلك قصة “سراب وأطفال” التى يمثُل فيها أربعة عشر طفلا أمام القاضى بتهمة التظاهر المناهض للدولة (12)  “سبٌّ وقذفُ وإهانات فى حق الوطن ومؤسساته .. تتوالى المشاهد .. تخريب ممتلكات .. إشعال شماريخ .. إتلاف سيارات .. تظهر ضمن الأحداث مقاطع للأطفال، يفعلون كما يفعل الكِبار .. يرددون خلفهم تلك الهتافات ..تتلاحق فى ذهنه (القاضى) تساؤلات شائكة .. هل يدرك هؤلاء الأطفال ما يفعلون؟ هل يؤمنون بما يردِّدون؟ هل يعلمون مَغزى ما يصنعون؟ هل يستوعبون فى هذا العمر؟ أيًّا ما كان الأمر فقد باتوا مجرمين .. يسألهم : لماذا؟ يجيبون بتلقائية مُفْرطة وفى انكسار شديد : قالوا لنا ستأخذون بعد المظاهرة “تى شيرتات” !! (13).

          هكذا اقتربت القصة من المجتمع لتخاطب الضمائر، وتناشد الوجدان ، محدثة هِزَّة للمتلقى، مثيرة تساؤلات كثيرة لتأتي فى النهاية المفارقة الصادمة (قالوا لنا …. ).

          وهنا اقترب الراوي كثيرا من من واقع اليوميات رغم أسلوبه الأدبى الراقي، لكنه اعتمد فى سرد هذه القصة على الأسلوب المباشر البعيد جزئيا عن لغة المجاز الأدبي.

رابعا : تعتمد البنية القصصية فى هذه المجموعة على عنصرين أساسيين فى بنية القَصّ القصير هما “الصورة والفعل” حيث تتلاقح البنيتان، وتتكاملان فى جديلة سردية رائعة لتصنع نصا مثيرًا آسرًا.  

          إن مصطلحى “الصورة والفعل” لا يدلان على موضوعين أو غايتين، بل يدلان على هيئة وهيئات السرد، فالموضوع شىء، والهيئة التى يُستَحضَرُ بها هذا الموضوع شىءٌ آخر.

          لقد مَثُلَ (الفعل) ههنا بوصفها فعلاً بشريًا،حدثًا قصصيًا فى قالب وصفى اقترب كثرا ليتاخم فن القصة القصيرة بعيدا عن (فن اليوميات) المباشر الصريح، مما كان له كبير الأثر فى عملية التلقي عند القراءة.

          ففى قصة “قرابين الشيطان” نقرأ (فعلاً – حدثًا) فى صورة لوحة تصف المشاعر والدوافع والبواعث “لم يشأ القدَر أن يُتوَّج حبهما المجنون بإنجاب أبناء .. حزن شديد يسيطر على الزوجة الشابة .. لا تدع وقتًا يمر إلا وأعربت فيه عن اشتياقها للأمومة .. يخيِّرها فى الطلاق فترفض .. يطاردها أهلها .. يواصلون محاصرتها بُغية تطليقها .. لا تكف عن البكاء .. يتفتَّق ذهنه عن أمرٍ جلَل .. سأحقق لكِ رغبتك .. يتهلَّل وجهها .. يستجمع قُواه .ز سآتيكِ بمن يُعاشركِ .. ستكونين أمًّا ولن أفارقك … “.

خامسًا : لم يهتم الكاتب بتسمية الشخوص ولا بوصفها، فهى مجرد خطوط فى لوحة، لم تُتَح لها فرصة الحياة الكاملة كشخوص الرواية، ورغم ذلك فقد كشفت قصص المجموعة عن طبائع النفس البشرية بفطرتها ووحشيتها وبدائيتها، فقد نُزِعَت قشرة الحضارة وعاد الإنسان ههنا إلى كهفه القديم فى العصر الحجرى، حيث يظهر على حقيقته عند الغضب، فيقتل كل عقبة تقف أمامه، تقف فى وجهه ليعيش ويحقق ما يرجوه ويحصل على بغيته التى قد تكون المال، أو الحب، أو السلطة، أو الرغبة الحسية، هى شخوص خلعت عباءة النفاق وأقنعته؛ لتواجه أنفسها بما تريد وتحققه على حساب قيود فرضها عليها الدين والقانون والعيب والعادات والتقاليد. 

          وقد أفلح العمل الإبداعى الشائق “يوميات قاض” فى إلقاء الضوء على الدخائل وإبراز الهواجس، ففضح الواقع، وكشف زيف الظاهر الإنسانى، مذكّرًا إيانا ببلزاك فى “الكوميديا الإنسانية”.

          مثال قصة “الأم” فى “حتى لا يناله أحد” ( 14) ص “تتركه .. تقف متصلبة .. تسير ببطء إلى غرفتها .. تجلس على حافة السرير بملابسها الداخلية .. ينبلج الصباح .. تتوجه إلى حظيرة الماشية .. تفتح علبة سُمّ آفات القطن .. تأخذ منها ملعقة  .. تضع الملعقة فى كوب اللبن .. تعدُّ له الإفطار”.

          وفى قصة “أسباب ما كان” نقرأ عن زوجة شابة تطلب التطليق للضرر، قالت تسبقها دموعها : “لا أرانى قصَّرتُ معه فى شىء .. كان يريدنى على نحو ما .. متناسيا أني زوجته ولستُ بائعة هوى .. ولكن كيف ذلك وقد علمتنى جدَّتي العفة والأدب” ( 13) ص 56 “هذا أدبٌ تبَّينا عليه .. فماذا جنيت؟” ( ) ص 57.

سادسًا : تكاملية المعانى التى يتضمنها العمل الإبداعى هنا متحققة بامتياز، فقد انتظمها خيطٌ واحد نسميه المعنى الكلي للمجموعة، أو التَّقاصّ على وزن التَّناص، ومعناه قدرة المجموعة على أن تفسر وتؤول بعضها وصولا إلى المعنى الكلى؛ وهو اتجاه نقدى يسعى إلى الحكم الجمالى على المجموعة القصصية مكتملة، وهذا عندى من أهم سمات المعنى أو الدلالة التى يجب توافرها داخل البناء الفنى للقصة القصيرة، وهو تكاملية المعنى، فالقصة الواحدة تحقق بُغيتها من خلال قالبها اللغوى الذى يوصل للمتلقى إحساسًا بالمفردات والتراكيب والصور وتقنياتها الفنية، وهذا ما لمسناه فى “يوميات قاض” يُبرزه التشويق الذى يدفع القارىء إلى الإجهاز على الكتاب فى جلسة واحدة، كل هذا يتجمع بعد القراءة فى وحدة الأثر النفسي الذى تحققه متعة القراءة لهذا العمل الجاد الهادف، فالفن مهما كان قائمًا على المتعة فإنه لا يجب أن يُغفل المنفعة، ولذا فأنا لستُ من أنصار مقولة الفن للفن، والتى تُقصى المضامين والمعانى جانبًا، وإنما أؤيد مقولة الفن من أجل الإنسان، حيث تنسجمُ المتعة والمنفعة، وتنصهران معًا فى بوتقة الإبداع، وهذا ما حققته مجموعة “يوميات قاضٍ”.

 

الهوامش:

 (1) د. أحمد مندور . الميزان الجديد.ط3 القاهرة 1970 ص 121.

 (2) لويس عوض. الاشتراكية والآداب، 1993 ص 57.

 (3) د.أحمد الهوارى. نقد الرواية فى الأدب العربى الحديث. دار المعارف، ط 2، 1983، ص 221).

 (4) مندور. النقد والنقاد المعاصرون. ص 235.

 (5) اليوميات ص 7.

 (6) د. صلاح فضل. منهج الواقعية فى الابداع الأدبي، بيروت ط 3، 1986، ص 121.

 (7) (أنغام عبد الله شعبان. السيرة الذاتية فى الأدب العراقى الحديث، ص 38.

 (8) حاتم الصكر، كتابة الذات، ص 192.  

 (9) المجموعة  ص 7

 (10) المجموعة ص 19.

 (11) أوكنر .. الصوت المنفرد ص 61.

(12) المجموعة (ص 35)

 (13) المجموعة ص 36.

 (13) المجموعة ص 40 ، 41

 (14) المجموعة ص 27،29

 (15) المجموعة ص 56 ، 57

 

*********************

   سبتمبر 2018   

  دكتورة سحر شريف

   أستاذ الأدب الحديث والنقد

بكلية الآداب جامعة الاسكندرية

 

 

 

 

عن محمد فتحي الشريف

شاهد أيضاً

عبد الحافظ القيسي – قصة بومضة “

كتبت هدي العيسوي تطورت وسائل التواصل الاجتماعي، وأزدادَ معّها النقاد والمحللين والكتاب، وأصبح الجمهور حائراً …