الرئيسية / منوعات / د. سحر شريف تكتب : قراءة نقدية في مسرحية (القطيع) لأحمد قاصد كريم

د. سحر شريف تكتب : قراءة نقدية في مسرحية (القطيع) لأحمد قاصد كريم

 

 

 

يعد النص المسرحي المكتوب مجرد مشروع وضعه المؤلف، يحمل أفكارًا سياسية أو اجتماعية أو أخلاقية، إنه الوعاء الذي يتضمن الأماني والأحلام والرغبات التي يحلم المؤلف بتجسيدها، وهي حجر الزاوية في إقامة العرض المرئي.

ويلاحظ أن المؤلف المسرحي يكتب لكي يتكلم الأخر بدلًا منه، فهو بإرادته يرفض الحديث، وعلى ذلك فالحوار المسرحي هو الصوت الأخر، لذي ينطق بما يريده صاحب النص.

وتتكون اللغة المسرحية من عناصر هامة:

ممثل ومخرج وجمهور وناقد ومصممو مناظر وإضاءة ومكياج وملابس، وعلى رأس هؤلاء يأتي المؤلف أو الدراماتورجي لأنه المسؤول عن خلق النص الدرامي الذي يخرجه المخرج؛ وبدونه بدون النص، لا توجد مسرحية.

وبعد ذلك يأتي دور المخرج الذي يستوعب الإبداع ويصيغه بوجهة نظره الخاصة.

ماذا قدم لنا المؤلف في مسرحية (القطيع)؟ رؤيته، ما القالب الذي صاغ فيه تلك الرؤية؟

البناء الدرامي

مسرحية القطيع من فصل واحد، قسمها المؤلف ثلاثة مشاهد، لذا فإن بنائها يماثل المسرحية التقليدية من حيث التقسيم لثلاثة فصول، بداية ووسط ونهاية.

أدى المشهد الأول وظائفه الأربع:

1-  قدم الأبطال ليتعرف الجمهور إليهم بوصفها شخصيات إنسانية، الابطال من البشر، مجدي ونوال وحمادة و حسن.

2-   قدم أيضًا في مقابلهم الخصوم من البقر، بقور وبقراوي وبقري وبقرية، وهي شخصيات مهمة تدفع الأحداث وتذكي الصراع.

3-  صدم الجمهور بمشكلة مقلقة أو أزمة مزعجة، ولا غرو في ذلك، فالدرما فن صناعة الأزمات، وهي المواجهة، المشكلة هنا زيادة عدد البقر في المدينة، ومزاحمتهم للبشر في الحياة بعد أن زهد الناس في لحومها وألبانها لكثرتها، ولحل المشكلة، أتاحوا للبقر فرصة تعلم لغة البشر وتعلم طرائق الحياة الإنسانية المتحضرة ليتعايش الجميع من النوعين تعايشًا سلميًا، إلا أن القر لا تستطيع ممارسة التحضر، فنراها تهجم على الأسواق بعشوائية حيوانية لتنهب وتتلف.

وفي هذا المشهد نلمس عدائية البقر وإضمارها الشر للبشر (علينا أن ننظم صفوفنا …. ونتعلم كيفية التعامل مع البشر وتحصيل القليل من علومهم حتى نتعامل مع ثغرات القوانين بما يفيد حياتنا….. وماذا سيحدث وقتها؟.. سنحاربهم؟.. بالطبع لا… سنسير بينهم مرفوعي الرأس ولنا كل الاحترام… المجد للبقر، المجد للبقر).

4- حقق المشهد الأول وظيفة التشويق والترقب لمعرفة مصائر الشخصيات ونهاية الصراع بين النوعين.

وبالرغم من وجاهة الفكرة، كان المشهد الأول متعجلًا في الطرح، غير متعمق فيه، وغير مقنع للجمهور.

المشهد الثاني:

يتبلور فيه الصراع بين البشر والبقر، حيث يرتفع شأن الأبقار بعد أن طغت على الحياة بجهلها وغبائها، فسادت الحياة الاقتصادية والفنية والثقافية والسياسية، بينما اضمحلت الأحوال بالنسبة للبشر الذين يرزحون تحت وطأة الفقر وغلاء الأسعار وتفشي الفساد.

(مجدي: الناس في حالة غليان، لم يعد الأمر يحتمل أكثر من ذلك.

 نوال : وهناك مغيبون يتابعون ما يذاع عليهم في الإعلام ويصدقونه… سمعت عن المظاهرات

         التي حدثت بالأمس في الميدان الكبير؟)

ينتهي المشهد الثاني باندلاع المظاهرات والاحتجاجات.

المشهد الثالث:

يبدأ بازدياد درجة التوتر بين طرفي الصراع، حيث يقع الكثير من الضحايا في الاشتباكات بين قوى الأمن والمتظاهرين ويتم قمعهم، بينما يسطع نجم البقر إعلاميًا  واقتصاديًا، ويبدؤون في من منافسة البشر سياسيًا، حيث يرشح بقراوي رجل الأعمال وبقور رجل السياسة نفسيهما منافسين على مقعدين في المجلس لمجدي ونوال الثائرين، وتبدأ الأمور في التكشف حيث يخضع البشر للمساومة والاغراء من البقر بشراء الأصوات، وتنتهي المسرحية بانقسام البشر فريقين، فريق أمكن شراؤه بالمال، وفريق اعتصم بمبادئه، إذ ينضم حسن إلى بقرية وبقري في الهتاف للأبقار، وينضم حمادة إلى مجدي ونوال اللذين ينزلان إلى الجمهور مخترقين الحائط الرابع للمسرح في إشارة ذكية من المؤلف إلى إشراك الجمهور في مناقشة القضية المطروحة التي لم تحل في نهاية المسرحية المقترحة.

اتخذت مسرحية القطيع قالبًا كوميديًا ينبع من الموقف ولكنها لا تهدف إلى انتزاع الضحك وتسلية الناس والترفيه عنهم بقدر ما تقصد إلى وضعهم في مأزق، ودفعهم إلى التفكير، وإعادة النظر فيما يحدث من أحداث في واقعهم المزرى، فالمسرح مرآة المجتمع تنعكس عليها كل الصور.

توافرت في مسرحية القطيع عدة مقومات جعلتها كوميديا ناجحة غير مفتعلة، منها: l-thiroxine from canada.

–   السخرية، التي ركزت على نقائض بعض البشر ونقاط ضعفهم أمام المال والشهرة والاقتراب من المشاهير و النجوم وسذاجة التلقي، لما يعرض عليهم من فنون ودعايات إعلامية.

–  التناقض، وهو التناقض والتضاد في الصفات والملامح التي تثير الضحك كوصف بقرية عندما أصبحت نجمة، والتناقض في سلوك الشخوص، بين حقيقة القر الخاوية البهيمية وما آلت إليه أوضاعهم من سؤدد ورفعة.

–  قلب الأوضاع، حيث تسيد البقر عالم البشر.

–   المفارقة، في الأقوال والأفعال، حيث يلوح البقر بمال الرشوة للبشر الذين يلغون عقولهم ويستسلمون لشهواتهم ونزعاتهم الدونية، فيدعون المبادئ والمستقبل ويسلمون الراية للبقر ليقودوا ويسودوا.

ولقد نجح المؤلف في صياغة هذا القالب الممتع الذي يخفف وطأة الموضوع الجاد الذي تفرضه المسرحية.

وتتماس مسرحية القطيع لأحمد قاصد إلى حد ما مع مسرح بريخت في بعض العناصر، منها أن سلسلة الحبكات عنده غير محكمة، وأنه يراهن في مسرحيته على وضع المتناقضات المتجاورة.

كذلك تعالج مسرحيته قضايا الإنسان بوصفه كائنًا اجتماعيًا في بيئة اقتصادية وسياسية واجتماعية، كل هذا لتصبح المسرحية وسيلة من وسائل التوعية السياسية للجمهور، وأداة من أدوات التعلم، إلى جانب الوعي لقيمة التسلية.

كذلك فإن الشخصيات المتميزة الفردية لا تنفصل عن المجتمع، فبالرغم من فرديتها إلا أنها تمثل الجنس البشري في نوازعه ولحظات ضعفه، فلإنسان يجمع هنا بين الشيئين معًا، الفردية وانتمائه إلى البشرية جمعاء.

ولعل النزعة البريختية عند أحمد قاصد هي التي دفعته لتسطيح الشخوص وعدم التعمق في دخائلها، ذلك لأن هدف المسرح البريختي إبعاد المشاهد عن التعاطف مع ما يجري على المنصة وهو ما يعرف ب (التغريب).

أي منع المشاهد من الانفعال والتخلص من الإيهام المسرحي، لماذا؟… ليجبرهم على التفكير واستيعاب النقد الاجتماعي والخروج بمفاهيم جديدة فيما يحدث لهم في حياتهم.

لقد أراد أحمد قاصد أن يضع الجمهور في مواجهة مع الفكرة، والتفكير في الرمز الذي كان واضحًا منذ البداية انطلاقًا من إيمانه بالمجتمع ودور المسرح في التغيير والإجابة عن الأسئلة.

وبناء على ما سبق، جاءت الشخصيات مسطحة خالية من الأبعاد والأعماق، متعجلة في بنائها الدرامي، فلم يضه لها أوصافًا تفصيلية في الإرشادات، ولم يجري على ألسنتها حوارات كاشفة عن الأبعاد لأنه لم يكن مهتمًا بها بقدر اهتمامه بالفكرة التي يريدها أن تصل إلى الناس في فصل واحد فقط.

لذا، لم تتصف الشخصيات الدرامية بالمصداقية والمعقولية؛ هذا إذا توقفت أيها المتلقي لتفضل عنصر الشخصية على حدة في تشريحك للعمل، أما إذا وضعتها في السياق الدرامي من حيث لعبها للأحداث وعلاقاتها المتشابكة في ضوء المصالح المتعارضة وصراع القيم السلبية والايجابية، فستجدها قد لعبت ما هو منوط بها في النص المسرحي الهادف.

وهي شخصيات نمطية معروفة، المثقف والثائر والانتهازي والجاهل ورجل الأعمال.

أما الصراع الناتج من تعارض الرغبات وتصادم الشخصيات وبعض القوى فقد قدمتهم المسرحية واضحًا لأنه لب الفكرة التي أرادها المؤلف.

إلا أنه لم يسفر عن منتصر ومهزوم، بالرغم من إيجاد المؤلف في حبكته الدرامية بقوة طرف على أخر، وأعني هنا البقر الأغنياء الأغبياء الذين يسيطرون ويتحكمون بقوة المال، وجشع الطامعين الذين يبيعون المبادئ من البشر.

كان الصراع في مسرحية القطيع صراع إرادة، وتحدي بين القوى المتناحرة في المجتمع (Opposing Forces)  أما الحوار فقد كان ناجحًا إلى حد بعيد في ضوء ما قصده المؤلف في مسرحيته الرمزية القصيرة، إذ كان مباشرًا غير منمق و لا مزخرف، موضوعيًا وأمينًا، منطقيًا، سائرًا بالأحداث وضبط إيقاع المسرحية بالرغم من وقوعه في شرك الخطابية في بعض الأحيان (المجد للبقر، المجد للبقر) (استيقظوا قبل فوات الأوان).

كما كان الحوار محللًا ومعللًا في إيجاز وتكثيف ناجح من المؤلف متجانسًا مع الموقف المسرحي.

ولا يفوتنا أن للمسرح لغة درامية تختلف عن اللغة الكلامية لاعتمادها على الصور المرئية وأداء الممثل الذي يساعد في تكوين الصورة الذهنية المتشكلة في وجدان المتلقي / المشاهد.

لذا، بالرجوع إلى صفحات أي نص مسرحي نلاحظ اهتمام المؤلف بالعلامات والرموز والارشادات التي تعين الممثل وتضيء للمخرج قصده، وهذا ما نجح فيه أحمد قاصد في ارشاداته وجمله السردية التي تصف الحركة على الخشبة.

اهتم أحمد قاصد بلغة الصوت كالهتافات والدوي ولغة الملابس فيما يخص البقر، لأنها من الدوال المهمة وأصوات موسيقى المهرجانات الصاخبة، وخوار البقر وهي ما يطلق عليه (لغة المهمات المسرحية).

وبعد، فإن مسرحية القطيع تنبئ بمهارة كاتبها وعمق الفكرة لديه، تلك الفكرة التي تحتاج إلى مخرج قدير يستطيع إبرازها في رؤية متميزة وعرض جيد.

************************

* د. سحر شريف

أستاذ الأدب والنقد بقسم اللغة العربية

 جامعة الاسكندرية

 

عن محمد فتحي الشريف

شاهد أيضاً

عبد الحافظ القيسي – قصة بومضة “

كتبت هدي العيسوي تطورت وسائل التواصل الاجتماعي، وأزدادَ معّها النقاد والمحللين والكتاب، وأصبح الجمهور حائراً …