الرئيسية / مقالات / عبد الناصر العطيفى يكتب : ليلة النص

عبد الناصر العطيفى يكتب : ليلة النص

في منبت طفولتي ؛ حيث النشأة الريفية في أحضان البراح والبراءة كان كلما اقترب شهر شعبان  سبقته أنسامه وهفهفت روائحه العاطرة ؛ فتبدأ مقدماته بالاستعداد لليلة النصف ، والتي يقام فيها في منطقتنا بآخر نقطة في الجنوب الغربي من أسيوط (مولد) أحد أقطاب الصوفية الرفاعية  الشيخ (وافي محمد وافي ) ابن موسى أحمد  الرفاعي  .

ينصب المولد لثلاثة أيام بلياليها  تختتم بليلة النصف من شعبان .. قبل حلول شعبان بأسابيع تبدأ قرية ( المشايعة )  بشقيها قبلي وبحري ، وبعض المناطق المجاورة تبدأ بالتهيؤ لإقامة المولد ، ومن الطقوس المصاحبة  أن أهل الطريقة والمقربين يبدءون في جمع ( الغلة ) وهي في الغالب  من القمح ، أو الذرة الشامية.

يطرقون أبواب البيوت  مطبلين بالدفوف والرق وصاجات نحاسية تشبه في حجمها أغطية ( الحلل ) اواني الطعام الكبيرة ، ومتشحين بأوشحة خضراء  فوق ملابس فضفاضة سوداء .. يتميز  بها أهل هذه الطريقة .. يمتاز أحدهم بعلو وإطالة صوته  وهو  يجهر بذلك  الصوت  الممطوط صائحا :  ( الفاتحة ) …

يجمعون الغلال  فيما يسمى ب( التليس )  وهي نوع من الأجولة تتسع لثماني كيلات أو أكثر  أو ما يعادل وزن مائة كيلو ، وكلما امتلأ التليس أخذه أحدهم متوجها حيث الإقامة وإعداد الطعام بالقرب من ( المقام ) الهاجع  في الطرف الجنوبي

( للمشايعة قبلي ) .

يستمر التنقل بين القرى ..

 هناك من يجود بالقمح أو الذرة الشامية ، وهناك من كان يجود بأموال ، وقلة كانت تجود بأغنام

 أو ماعز على سبيل النذور !

في الغالب لم يكن الموكب يطرق كل الأبواب ؛ فقد كانوا يعرفون الفقراء وكذا يعرفون من كان يضن بالتفاعل معهم ؛ فيتجاوزون مثل هذه البيوت في غير صخب ، وإذا علموا أن هناك ميت في الشارع أو المنطقة يتجاوزون المكان أو يرسلون واحدا منهم على استحياء .

ساحة الشيخ وافي كانت فسيحة .. يحدها من الناحية الشرقية براح الخضرة والمزروعات والترعة التي تمتد من الجنوب ( كيمان تسعة ) بالغنايم …

ومن الناحية الغربية ذلك البراح الممتد إلى الصحراء .

تنصب  المراجيح بأشكالها المختلفة والمتجددة من العام للعام في الناحية القبلية من الساحة وكل عام تلون بالألوان الزاهية  وتستحدث ؛ أما الناحية الشرقية كانت مخصصة لبائعي (حلاوة المولد ) والتي كانت تأخذ شكلين رئيسين : العروسة والحصان .. وكان رب الأسرة عندما يحضر حلاوة المولد يحضرها بعدد الأبناء ويقدم للذكور الأحصنة ، وللإناث العرائس .. و يتخذ البعض ممن هم مقبلون على الزواج يتخذون من

 (  ليلة النص ) مناسبة ؛ ليقدم الواحد منهم لعروسه أو لخطيبته هدية ( عروسة  المولد )   ….

وفي الناحية البحرية للمقام تقام حلقة الذكر .. يصطف المصطفون – في الغالب – الكبار ..يصطفون في صفوف منتظمة .. يتمايلون متطوحين يمينا ويسارا .. تصدر منهم أصوات الذكر في صوت واحد  مدعومة بكلمتي :

حي / مدد   .

وكثيرا ما كان يقوم أحدهم – فيما يشبه العزف المنفرد – بالتمايل للأمام وللخلف في حركة سريعة وهو يلهج مغمغما إلي أن تتوقف الكلمات على شفتيه وقد كستهما رغوة بيضاء أشبه برغوة مساحيق الغسيل  ثم يسقط غارقا في غيبوبته !

وإلى جوار حلقة الذكر تتشكل حلقة أخرى على شكل دائرة مفتوحة من أحد جوانبها تسمح بدخول فرس أو فرسين متراقصتين بمن يعتلي ظهريهما على أنغام المزمار وإيقاع الطبل البلدي  تتشكل من الكبار والصغار

على حد سواء لكن كانت دائرة الرقص تختلف عن حلقة الذكر ؛ حيث تجهز لها ( الدكك ) والكراسي فيتحلق الرواد جلوسا ، أما حلقة الذكر فكانت تدار وقوفا للمشاركين والمشاهدين .

وللحقيقة كان يقصد الحلقتين الكثير من رجال وشباب القرى المجاورة ممن لهم باع طويل في ( الحنجلة ) ، أو لعب العصا ، او المديح .

كانت ليلة النص موسما فيه يكسو الرجل أولاده ، وفيه يتم عقد القران وحفلات الزفاف لأهل القرية كما كان مناسبة عظيمة لعودة المغتربين خارج البلدة ، وفرصة للتزاور بين الأهل والأقرباء .

وتنفتح الناحية البحرية على ( بوابة ) كبيرة كانت مبنية من الطوب الأحمر  تجتازها للداخل لتجد نفسك مرتميا في أحضان البيوت ذات الأبواب المفتوحة والتي يخرج منها الطعام المعد للضيوف ؛ حيث يعتبر كل من يدخل تلك البوابة ضيفا إكرامه

في إطعامه !

حلاوة المولد ، ولعب الأطفال والحمص والسوداني وأنواع مختلفة من العصائر ، والمشروبات  الطبيعية ، والبخت  ، والطرابيش والطراطير ، وغيرها .. هذه هي أهم ما يمكن أن يعود به رب الأسرة وقد اقتاد صغاره عائدا على ضي القمر ، بعد يوم من الفسحة والمتعة ؛ ليحلم الصغار والكبار بالعودة مرة أخرى في قابل الأعوام !

 

 

 

عن محمد فتحي الشريف

شاهد أيضاً

المفكر العربي الكبير على محمد الشرفاء الحمادي يكتب ..الماء أساس الحياة

إن الدوافع الخفية التى تشجع إثيوبيا لتتخذ موقفا متعنتا وتتجاهل أن الماء عطاء من الله، …