الرئيسية / منوعات /   “غلاف منزوع ” .. قصة قصيرة .. بقلم : محمود حمدون  

  “غلاف منزوع ” .. قصة قصيرة .. بقلم : محمود حمدون  

كسهم انطلق الصبي بين أرجل الوفد المرافق , يعرف طريقه جيداً , يصوّب نظره ناحيتي , اقترب , عرفته , هو ذاك التلميذ الذي قابلته بالأمس … وضع حقيبته على الأرض, , عرق يغمره تساقط من خديه يسيل على عنقه كحبّات لؤلؤ , مدّ يده إليّ, كلمات خرجت من فمه: كراسة جديدة , اشترتها ” أمي ” بالأمس , بدلاً من القديمة … شبّ بهامته, تحدث بسرعة , كمن يُمسك على جمر اللحظة خشية أن تهرب منه : كتبت الواجب , أنظر , أنا خطي جميل .. ورثته عن أبي , أمي تقول ذلك, مات  قبل أن أولد ” أمي ” تشكرك على ما فعلت, دعت الله لك كثيراً.

 ربتُّ على كتفيه النحيلتين , أدرت رأسي , بجواري يقف مدرس الفصل , قسمات وجهه الجليدية تتوارى خجلاً جوار غلظة روحه همست له: أرأيت ؟

ردّ بفتور : هذا ليس خطّه , تلميذ بليد , أحدهم كتب له الواجب ..

هوى بنظري من شاهق , سقط من مكانة المعلّم الأب , لناقم حاقد ..

بدوره كان المدرس ينظر شذراً للطفل , تختلج نفسه مرارة , ذكريات غلبت عليها الشقاء , نحت أدمنه في الصخر وصولاً لمكانة متواضعة, فلما بلغ ما حسبه رُقيّاً , أقسم أن يُحيل حياة من دونه ظُلمة و يأساً , أخرجته من بئر المعاناة , أرتد إليّ ببصره حسيراً: ماذا قلت؟!

= لا شيء .. فقط لا تٌضيّع الأمانة ..

مسئول الجودة وصل .. “عبارة روتينية ” استقبلتني  عند زيارتي صباح أمس لإحدى المدارس  , اعتدت على نفس الاضطراب, الهرج و المرج , وصل لسمعي صراخ يرتفع , بكاء بحرقة ,  لمحت  ” تلميذ ” بيده ” كراسة ” مهترئة, منزوعة الغلاف , و مدرس هجر عمله السابق كسجّان , يعنّف الطفل , يهدده بالضرب بعصا تهوي فيئن الفراغ من لدغاتها , لحقته , أمسكت يده لاحتواء الموقف , مسحت على رأس الطفل , نزعت دمعة تحجّرت بعينيه : لا عليك يا بني , ماذا حدث ؟

= من بين دموعه , ينظر بفزع حوله ,: أخي الصغير مزّق بالأمس و أنا نائم ” كراسة ” الواجب …

أرعد صوت السجان : كاذب , مهمل , مثله لا مكان له بالمدرسة , الشارع مأوى طبيعي لأمثاله .

حدّجته بنظرة نارية , من الصعب أن أثور , عوّدت نفسي منذ بواكير الصبا ألاّ أنجرف لترهات الغضب الشديد , لكن كلمات المدرس أثارتني بشدة , فاعتصمت بغضبي جلدته بلساني: مثلك لا ينبغي أن يكون مدرساً , المساءلة بحقك واجبة في التو , أنت بحقد دفين تلوي عنق رسالتك التربوية , تجعلها ثأراً مٌبيّتاً بينك و بين تلك البراعم , ربما لا تدري ظروف هذا الطفل , ثم همست لنفسي  ” لعله يحفر طريقه بصعوبة لربما يغيّر بإرادته مسار جبري لحياته ” .

لملمت شتات ذاتي سريعاً , نظرت للطفل , طمأنته : لا تخشى شيئاً يا صغيري , عُد لفصلك …

شخص ببصره إليّ قابضاً  بيمينه على ” كراسّه ” تتسع  رويداً ابتسامة بريئة على وجهه , بينما تنهمر دموع كثيفة , تحفر خطين واضحين ينتهيا لنحره.

عن محمد فتحي الشريف

شاهد أيضاً

ما بين تفتيح البشرة وإنبات الشعر “أدورا “هى كلمة السر

ظهر فى الاسواق منذ فترة منتج جديد بأسم أدورا يحتوى على كريم لتفتيح البشرة والمناطق …