الرئيسية / منوعات / ” في انتظار نزار”  .. قصة قصيرة  .. بقلم: تغريد حبيب  

” في انتظار نزار”  .. قصة قصيرة  .. بقلم: تغريد حبيب  

بينما تناولتُ كأس الشاي الساخن بكلتا يديّ أدفئهما بحرارته، كانت رياح باردة جافة تعصف في الخارج , تلف جدران منزلي وتحمل معها إلى مسامعي صوت قرعات باب بيت قريب , تلمّست بجبهتي برد زجاج نافذتي وجال نظري يرقب البيوت والخريف , وعلى مدخل بيت جارنا الكبير, رأيت سيدة تقرع الباب بإلحاحٍ وتنادي صاحبه باسمه , لكن لم يجبها احد , كان يبدو عليها الشوق , حتى يفتح لها بابا طالما قرعته وليس من مجيب , ائتزرت شالا اسودا ألبسها إيّاه الزمان لسنين عديدة , تفطَّر قلبي حزنا عندما تابعت تنادي بصوتها المبحوح: نزار! افتح يا ابني!..صوت يملأه الحنان والشوق , ويزيد الخريف حزنا وجفافا وعطشا, لملمت شالها الأسود وعادت أدراجها تسير مطأطئة رأسها وتمتمت بعض كلمات تعزي بها نفسها “سأعود بعد يومين وسأجده, حبيب قلبي لا بد أنه مشغول “.

ومع تعدد زياراتها التي باءت بالفشل,كنت ادعوها لتأخذ قسطا من الراحة من عناء مشوارها , وسمعت منها بعض ما عانته من متاعب ومشقات هذه الحياة . فهي أم أرملة منذ صباها , جعلت ابنها وحيدها كل دنياها,ربته بصبر وتعب حتى أنهك الزمن قواها , ورسم على جبينها خطوطا فبان الهمّ لكل من رآها , ومرضت ببعض أمراض تلتصق بالأجساد عندما تهب الأحزان على النفوس , كانت زياراتها قصيرة لبيت موصد , وكانت دائما تعود أدراجها على أمل أن يفتح لها حبيب قلبها ووحيدها . تركها زوجها إلى عالم الأبدية منذ كانت في الثلاثينات من عمرها مع طفل في السابعة كان يعاني من الربو , مما اضطرها أن تعود العيادات والمشافي مرات كثيرة, ومضت ليال بطولها , ينام طفلها في حضنها وعيناها ساهرة تأبى أن تنام . كان حلمها، كل حلمها أن ترى نزار شابا متعلما , متزوجا يملأ عليها الدار, ولأجل ظروفها القاسية لجأت للعمل في إحدى المدارس , عملت في التنظيف , وكانت ترقب ابنها بين الأولاد فيسعد قلبها , لقد تعافى ولا ينقصه شيء فهو كباقي الأولاد , أرادت أن تمنحه من روحها وحياتها ليكبر ويصبح رجلا .

كبر نزار أمام عينيها وسافر ليدرس الطب في بلد بعيد عن بلادنا ، مما جعلها تمضي ليالي الفصول الطويلة وحيدة , وان تضاعف عملها حتى تضمن تكاليف تعليمه , لقد استنزفت الأيام كل قواها ولكنها كانت سعيدة بالرغم من كل المتاعب, ومرارا ذكرت أمام الجميع أن نزار يدرس الطب وغدا سيعود ويخدم بلده, فتبتسم بفخر وتتابع، وأكون أنا أم الدكتور .

لقد تحقق حلم أم نزار, وازدادت فخرا بابنها , وعاد إليها طبيبا ولكن لم يعد إليها نزار , طفلها الذي لا ينام إلا إذا قبّل يدها ، ولا يغادر إلا إذا سمع منها الدعاء , أصبح بخيل العواطف , وردود فعله جامدة حيال أم هي فيض حنان وحب وعواطف , وشعرت انه في بعد عنها , لكنها عادت تعزي نفسها ” لقد أصبح رجلا انه طبيب وكثير الانشغال الله يوفقه “.

تعرّف نزار على طبيبة تعمل معه ، تزوجا وسكنا المدينة القريبة لمكان عملهما, ظنت الأم أن زواجه سيلمّ العائلة ويقرّبه منها , إلا انه ازداد بعدا . periactin without prescription.

وأما البيت الذي يقابلنا لم أرَ مصابيحه مضاءة إلا ليلة عيد الأم , فكان يأتي لزيارتها ويعود هو وزوجته للمدينة تاركا أمه تنتظر لقاء عيد آخر , وها هي تأتي اليوم أيضا علها تجده في البيت الكبير، وكاد شوقها وحنينها يقتلانها , فعادت إلى بيتها تدفعها رياح الخريف تلسع جسدها المنهك وما بقي من صباها .

وبعد مرور فصول العواصف والأمطار جاء فصل الأزهار , فصل فيه تُقدَّسُ الأم وتسجد عند قدميها الجنان , استيقظت أم نزار على غير عادتها فكانت مفعمة بالنشاط والسعادة , لقد أحبت هذا اليوم أكثر من كل الأيام، لأن نزار سيزورها حتما بالرغم من كل انشغالاته , سيأتي لتضمه وتقبله وتشم عطره , الذي يفوق عطر الربيع طيبا, أنهت أعمالها مبكرا واعدّت أطيب المأكولات , وزينت البيت بالورود ونادت جاراتها لتخبرهنّ، أن الدكتور سيأتي اليوم، “حبيبي في كل عيد يأتي يعايدني ولا ينسى” .ففرح لفرحها جيرانها وازدادت الدنيا جمالا في عينيها .

لكن الدكتور انشغل واضطر أن يؤجل زيارة أمه لبضعة أيام , لم يضاء بيته فدُهِشتُ، في يوم كهذا لم يأت لزيارة أمه!! أمٌّ جمعت تعب أيام سنه بأكملها لتستريح في هذا النهار بعناقه ورؤيته!! ودهشت أكثر أن أمه أيضا لم تأت لتقرع باب البيت الكبير, هل ذهب إليها وأبقته عندها ؟ أو ربما ذهبت هي لزيارته ؟.

بعد ثلاثة أيام، علت أصوات في أجواء قريتي لتحول الربيع إلى خريف، صوت نواقيس حزينة ومآذن تنادي… “أهالي قريتنا! انتقلت إلى رحمته تعالى “فلانة” أم نزار عن عمر يناهز الثانية والستين ” , فعاد الصوت بقوة أكثر، جعل الدنيا تبدو ضبابا من حولي، وانقبض قلبي في داخلي وأمطرت عيناي ماءً اسودَ, إنها أم نزار الأرملة المسكينة , ونظرت نحو البيت الكبير ووجدته قد أضاء أخيرا , جاء الطبيب ليزور والدته الزيارة الأخيرة والعيد الأخير .

انتشرت في بيت أم نزار روائح المأكولات التي يحبها نزار، لكن لم يأكلها أحد, ووُجدت هي جالسة على مقعدها ، كانت ترتب ملابس نزار الصغير , تشمّها ، تحضنها ، تنتظره حتى يعود وقد قتلها الشوق والحنين.

ازدادت نسائم الربيع سكونا ووقفت الأزهار دقائق صمت كرامة لروحها, وعند قبرها بكى نزار دموعا روت ثراها , وقرع باب اللحد ألما وقهرا حتى سمعها أنساما رقيقة …

حبيبي بسمتك زهرة عيدي فلا تبك على ترابي

اشتقت إليك حتى قتلني الشوق وأتيت عندما حان موعد ذهابي؟

قرعت بابك مرارا ولم تفتح واليوم، لأنني أحبك، لن افتح لك بابي .

عن محمد فتحي الشريف

شاهد أيضاً

عبد الحافظ القيسي – قصة بومضة “

كتبت هدي العيسوي تطورت وسائل التواصل الاجتماعي، وأزدادَ معّها النقاد والمحللين والكتاب، وأصبح الجمهور حائراً …