الرئيسية / مقالات / منى صلاح تكتب … رسالة إلى العالم الآخر

منى صلاح تكتب … رسالة إلى العالم الآخر

القصة من الواقع .. حقيقة، جميعنا بحاجة إلى التعمق فيها ..

هي رسالة ربانية فقط .. لمن يعتبر ويتعظ

هي قصة إخلاص ووفاء وحب صادق قلما  نسمع عنه هذه الأيام ..

تحية إعزاز وتقدير لهذا الزوج الفاضل .. والذي كان و لازال خير أب و زوج يفني نفسه من أجل أولاده الخمسة، وبمفرده.  يقاوم وحده- مع والدته المسنة- ظروف حياة  وعمل قاسية لا تعرف الرحمة ومسؤوليات ضخمة وإغراءات فوق طاقة أي رجل في عنفوان شبابه .. إنه بأخلاق سيدنا يوسف في هذا الزمن.

تحية احترام وتقدير لتلك الملاك الطاهر – رحمة الله عليها – والتي بطيبتها وتفانيها في بيتها ومع زوجها وابنتها وأبناء زوجها  تركت بصمة عظيمة في نفوس من عرفوها ومن لم  يعرفوها عن قرب..

هذه المرأة سجلت أعظم مثل لخير متاع الدنيا .. المرأة الصالحة.

 

أحيانا يضيق صدرك بكلام يصعب عليك حتى الهمس به لنفسك، يأبى قلمك أن يفيض بأسراره أنهارا تجري على الورق الأبيض فتخفي براءته ونقاءه.
تحاول جاهدا أن تحيا كأي إنسان طبيعي ولكن حتى الوقت يصارعك بمنتهى القوة والقسوة ويأبى أن يمضي بدون أن يترك فيك جراحاً غائرة وأنات كثيرة لذكريات كانت يوما تبهج القلب، والآن تدميه بشدة.

هذا هو شكل الحياة باختصار بعد أن فرقتنا يد القدر وأخذتك مني على حين غفلة ، في لحظة فارقة بين اليقظة والكابوس، أدركت بعدها أن عمري انتهى برحيلك. فقدت طعم الحياة، فقدت الإحساس بكل شيء حولي، فالآلام التي تعتصر قلبي أقوى من أن يستطيع قلمي وصفها. ومع كل هذا، أدرك جيدا أن قوة إيماني بالقضاء والقدر ستجعلني أتخطى محنة بعدك عني وأتعايش معها رغم صعوبتها.

ولكن حينما تصرخ طفلتنا في منتصف الليل تناديك باكية في استعطاف أن تعودي لتضميها بحنان لصدرك، حينها فقط يكون الانهيار. كل قوتي وصلابتي ومحاولتي الصمود تنهار أمام دموع طفلتنا وهي تصرخ : ماماااا.

لا أعلم كيف سأحيا بدونك بعد أن أصبحنا في عالميْن مختلفين ليس بينهما أي نوع من الروابط سوى الدعاء. قولي لي كيف سأعيش في مكان كل ما فيه يبكي صاحبته، طيفك يلاحقني أينما ذهبت، يسرق حتى الأنفاس مني. تخنقني ذكرياتنا التي تطاردني في كل ركن من أركان بيتنا، أحلامنا لأطفالنا الخمسة، اللحظات الحلوة وضحكاتنا في كل مكان ذهبنا إليه. بصماتك في كل مكان، لا أستطيع أن أتجاوزها أو أنساها. حتى ملابسي، كتبي وأوراقي يحملون نفس تلك البصمة التي لن تمحوها الأيام. انهارت مقاومتي وأنا أحاول جاهدا أن أجد سبيلا يعوضني غيابك، ولن أجده ما حييت. لكن يقيني بأنك يا غادة عمري في مكان أفضل بكثير من عالمنا المجنون يهون عليّ الفراق. أدرك جيدا بأن رحمة خالقي التي وسعت كل شيء ستشملني أنا وتلك الأرواح البريئة التي تركتيها ورائك تائهة رغما عنك، ورحلت إلى دار الخلود.

حبيبتي، زوجتي وقرة عيني في دنياي وآخرتي، هذا حالي بعد رحيلك. لا، فلا زال هناك المزيد. أكاد أجن و أنا أحاول أن أبعث إليك برسالة إلى عالمك الآخر أشكو إليك فيها حالي البائس من بعدك، لكن بلا فائدة. أفتح خزانة ملابسك، وآتي بثوبك المفضل، وهو أول هدية مني لك في عيد زواجنا الأول، أقربه مني ، أحتضنه بين ذراعيّ، رائحتك الزكية لا تزال تغلف كل خيط به فأغمض عيني وأستسلم لشريط الذكريات.. وأفيق على براكين دموع تبلل ثرى ثوبك الطاهر ..

كل ليلة ، أذهب إلى نافذة غرفتنا وأتطلع إلى السماء وكأني أنتظرك أن تطلي منها وتداوي جراحي ببسمتك العذبة ، وأفيق من صمتي وانتظاري على بكاء جنينيك، ينادونك بألم، أين أنت يا ماما؟ أكانت تلك التسعة أشهر هم كل رصيدك معنا؟

كم أشفق على قلمي وهو يجاهد الثلوج التي تراكمت على صدري وهو يحاول أن ينتزع حقيقة مشاعري ليسجلها في كتاب الحياة. لكن عبراتي، سالت على الورق الأبيض لتمحو كل ذكرى مادية سجلها هذا القلم اللعين، لتبقى ذكراك خالدة بداخلي أنا فقط ما حييت.

حبيبتي، سأستسلم بقلب راض لأقدارنا فلا مفر منها وسأحاول أن أتعايش مع ما قلب حياتي رأسا على عقب. سأجد عزائي في أطفالنا. سأربيهم وأرعاهم و أعلمهم مثلما كنت تفعلين معهم. سأحكي لهم دوما قبل النوم عن الأميرة الراحلة، عن غادتي التي خطفت قلبي وروت أرض حياتي الجدباء بحبها وطيبتها ورعايتها حتى أصبحت بستانا يانعا ثم تركتنا بهدوء ورحلت كملاك إلى حيث الأبدية والخلود. سيكونون المصابيح الصغيرة التي ستضيئ لي طريقي حتى أصل إليك بعد أن يسترد الله وديعته منيّ.وهذا وعد مني أشهد الله عليه.

فلترقد روحك يا غادتي في سلام أبدي ….

 

عن محمد فتحي الشريف

شاهد أيضاً

حسن إسميك يكتب: عن العروبة والإسلام.. “خبز وماء” الحضارة

يأخذ التاريخ على عاتقه حياكة أواصر العلاقات الإنسانية بظروفه وعوامله وتقلباته، كما يتسبب في أحيان …