الرئيسية / منوعات /               “هو” .. قصة قصيرة  بقلم :  د. نشوى السماك  

              “هو” .. قصة قصيرة  بقلم :  د. نشوى السماك  

قبل أن تلفظ آخر أنفاسها، أخبرتني أمي أن أبي حيا. لم أفهم كيف تأكدت من ذلك و لكنني شعرت بشيء من الدفء تسلسل إلي قلبي، و كأنما استقرت به شمسا، لا أعلم من أين أتت. حاولت أن أستفهم عن اسم أبي الذي لم تخبرني به يوما،  هممت أن أطلب منها وصف ملامحه و هيئته، و أسألها أين هو و كيف علمت أنه لازال حيا؟ فلم تجبني فالموت كان متعجلا دون اكتراث بأسئلتي. كنت قد عشت سنوات عمري معها، في تلك الجزيرة الخالية من البشر سوانا، لم نحاول يوما عبور البحر لنعد إلي بلادنا التي أتينا منها منذ عشرين عاما، فأنا لا أستطيع تحمل ركوب البحر، تصيبني حالة من الهلع الشديد، برغم محاولات أمي فإنها لم تفلح أبدا في علاجي من تلك الحالة.

قررت أخيرا أن أحمل جثمانها في صندوق من سوق البامبو، وضعته بالقارب الذي صنعته ليأخذنا إلي بلادنا أو إلي أي أرض مأهولة بالبشر. هبت عاصفة شديدة،  كان القارب كمن يرقص رقصة الموت، لم يفلح تشبسي بالقارب، و لم يصمد هو أمام ثورة الطبيعة.

بينما أصارع أمواج البحر الثائرة، لمحت سفينة لم أدر كيف و متي ظهرت، ثم فقدت الوعي. أفقت فوجدتني علي ظهر السفينة، بجواري رجل ذو وجه يبعث في النفس طمأنينة، قمحي اللون، طويل القامة، ذو بنيان قوي، شعر رأسه أسود، بينما تناثرت في لحيته السوداء، شعرات بيضاء. قدم لي الطعام و الشراب، استمع لحكايتي، ثم جذبني من يدي ليريني الصندوق الذي احتوي جثمان أمي كان قد أنقذه قبل أن يلتهمه البحر. سكنت نفسي إليه، أحببته.

وصلت السفينة إلي شاطيء إحدي البلاد، ترجلنا من السفينة حاملين الصندوق، واريناها الثري، ثم تركني الرجل الطيب. اتخذت لنفسي كهفا في إحدي الجبال، لم أجرؤ علي كسر الحاجز بيني و بين الناس. في إحدي الليالي الباردة، كنت قد أشعلت النار في بعض الحطب، ثم نمت بجوارها، استيقظت مذعورا و ألسنة النار تهاجمني، أيقنت أنني هالك لا محالة، لكنني ظللت أصارع النار، ثم لم أدر إلا و أنا راقد فوق رمال الشاطيء، و بجواري المنقذ ذاته.

عاتبني لانعزالي عن الناس، نصحني بالنزول إليهم، و أن أتلمس المحبة و النور بداخل نفوسهم. مد يده إلي بكيس صغير مملوء بالقطع المعدنية  طلب مني توصيل كل قطعة  لشخص معين، أخبرني بأسمائهم و عناوينهم. ثم مضي ليفارقني مرة أخري.

بدأت رحلة بحثي عنهم ، فكانت أولاهم فتاة جميلة، طلت بوجه كقمر تجثم فوقه غيمة قاسية. ألقيت عليها التحية ثم مددت يدي إليها بالقطعة المعدنية، فأخذتها من يدي في لهفة، تبددت الغيمة  و تلألأ القمر ثم كمن تراقص الفرحة، راحت تقفز ثم تدور حول نفسها، و فستانها يحرك أطرافه الهواء، و هي تصيح في سعادة: أبي حي.

توقفت، جذبتني من يدي فأدخلتني بيتها لتدعوني إلي تناول الطعام مع أسرتها التي تكونت من جدتها المريضة، و طفلين أحدهما أسود اللون و الآخر شديد البياض، أخبرتني أنهما يتيمين عثر عليهما والدها بين الأنقاض إثر حرب بين البيض و السود بإحدي البلاد التي مر بها أثناء سفره.

أشارت إلي صورة والدها الكبيرة المعلقة علي الحائط، فوجدته هو الرجل الطيب الذي أنقذني، ممسكا بعقد بين أصابعه أسمتها “مسبحة”، ثم أهدتني مسبحة مثلها.

ذهبت إلي بيت الشخص الثاني، كان شابا مضيافا، يحاول رسم ابتسامة علي وجهه دائما، لكنني لمحت في عينيه حيرة و حزن. أعطيته القطعة المعدنية، فجذبها من يدي ليقبلها ثم ضم يده القابضة علي القطعة المعدنية، إلي صدره. انطلقت من عينيه دموعا، غسلت محياه، زادته وسامة، تحررت ابتسامته  فأصبحت أكثر صدقا. همس و كأنما يحدث نفسه:

-كنت أعلم يا أبي أنك لم تتركني.

ثم توجه إليّ قائلا:

– أتمني قبول دعوتي لتناول العشاء معنا، لكنني في الوقت ذاته أخشي أن تزعجك دعوتي فالجميع هنا لا يقتربون من بيتي خشية أن تصيبهم عدوي من هؤلاء المساكين الذين نبذهم أهل بلادهم بسبب أمراض و حوادث قد تعرضوا إليها فغيرت ملامح وجوههم و أفقدتهم أجزاء من أجسادهم، لكنها لم تفقدهم إنسانيتهم.

استطرد قائلا:

– اطمئن، هنا لا وجود لأي عدوي…و لكن من الصعب أن تقنع الجميع  بذلك.

قبلت دعوته، فتناولت العشاء معهم، رأيت عالما تملؤه آهات زفرتها قلوب منكسرة، تلك القلوب المشتاقة للشعور بإنسانيتها، تشبسوا بذلك الشعور عندما وجدوني سعيدا بمشاركتهم الطعام و الحديث. قبل أن أغادر، منحني الشاب المضيف قلادة تتوسطها قطعة ذات شكل هندسي بسيط، قال لي أنه صليبا.

وصلت إلي بيت الشخص الثالث، فوجدته أمام بيته ممسكا برقبة أحدهم، يصرخ فيه بقوة و يتوعده بالقتل.

– لقد قتلت أبي، أيها الوغد الجبان….سأقتلك، لن أتركك تفلت بفعلتك أنت و عصابتك.

– أنت مجنون، أنت بلا أب…. اسأل أمك من أي رجل أتت بك إن كانت هي تعرف الأجابة من الأساس.

– بل أبي أعرفه، و أنتم قتلتموه يا أوغاد.

حاولت تخليص الرجل من يده، ثم بسرعة مددت يدي إليه بالقطعة المعدنية، فلم لا يكون الرجل الطيب أباه هو الآخر. كنت محقا، فقد منعت تلك القطعة المعدنية حدوث جريمة قتل، و انقلب حال ذلك الصارخ، إلي الهدوء و السكينة  و السعادة، ثم أهداني بضع بذور، أخبرني أنها لمجموعة من الأزهار الجميلة النادرة. شكرته، وأخذتها. هممت بالمغادرة فتعثرت، و سقط من جيبي كيسا كنت قد وضعت به الهدايا التي أهداها إليّ أبناء الرجل الطيب: مسبحة، صليب، كبة، شموع، قطع معدنية، خواتم، و هدايا أخري. مد الشاب يده ليساعدني في النهوض، لملمت الهدايا لأضعها في الكيس مرة أخري، أضفت إليهم بذور أزهاره النادرة، شكرته مجددا، ثم انصرفت لأستكمال مهمتي.

 

عن محمد فتحي الشريف

شاهد أيضاً

ما بين تفتيح البشرة وإنبات الشعر “أدورا “هى كلمة السر

ظهر فى الاسواق منذ فترة منتج جديد بأسم أدورا يحتوى على كريم لتفتيح البشرة والمناطق …